سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٣٠٣الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)
مثلت ثورة المهدي بن تومرت الفكرية التجديدية مرحلة متقدمة في تطور الفكر العقدي عند أهل السنة في بلاد المغرب الاسلامي بصفة عامة، لكن هذا لا ينفي نزعة الابتداع في مواقف ومنهج المهدي بن تومرت الذي حاول أن يجمع بين كثير الأفكار العقدية المتناقضة ويعطيها
ثوبا سنيا أشعريا، ونقصد بذلك جمعه بين السنة والنظريات الباطنية الشيعية، وحتى انفتاحه على الأباضية، وربما هذا ما يفسر لنا ذلك التوافق الذي ساد بين إباضية ورجلان والموحدين إقبال الإباضية على خدمة دولة الموحدين من دون الأخذ بمذهبها، كما مر بنا في الفصل الأول من هذه الدراسة.
إن أحسن وصف تركته لنا المصادر لثورة المهدي بن تومرت ما جاء على لسان بن خلدون بقوله: " وانطوى هذا الامام راجعا الى المغرب بحراً متفجراً من العلم، وشهاباً وارياً من الدين، وكان قد لقي بالمشرق أئمة الأشعرية من أهل السنة وأخذ عنهم واستحسن طريقهم في الانتصار للعقائد السلفية والذب عنها بالحجج العقلية الدافعة في صدر أهل البدعة، وذهب الى رأيهم في تأويل المتشابه من الآي والأحاديث بعد أن كان أهل المغرب بمعزل عن إتباعهم"
1
إن الظروف التي مرّ بها المهدي في بلاد المغرب بعد عودته لم تكن لتسمح له بنشر مذهبه العقدي على نطاق واسع في بلاد المغرب، ذلك لأنه قضى معظم حياته بعد العودة في صراع عسكري بالدرجة الأولى ضد المرابطين في ضواحي مراكش، مما دفعه إلى أن يتحصن بجبال الأطلس الجنوبي وفي منطقة نائية معزولة
لكن دعوته وجدت طريقها الى محيطها المغاربي بعد أن فك الحصار العسكري عن خلفائه الموحدين بقيادة عبد المؤمن بن علي الكومي الذي أولى اهتماما خاصاً بالتوجه نحو المغرب الأوسط، ربما لإشراك أبناء قبيلته في أمر الدعوة والدولة، كما أولى اهتماما خاصا لمؤلفات الإمام المهدي، فرتبها في كتاب " أعز ما يطلب " وكان عبد المؤمن حريصا على شرح تعاليم دعوة المهدي لدرجة أنه كان يتولى تدريسها بنفسه ويصدر المراسيم يأمر فيها عامة الناس
بقراءة مؤلفات المهدي في العقيدة.
302
العبر، ج 6، ص
النجار، عبد المحيد المرجع السابق، ص ص 112، 128.
298
443
نفسه، ص
__1
2
-
_3