سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)
أما التصوف الذي بدأ ينتشر في القرن الخامس والسادس الهجريين، فهو ذلك التيار الذي تأثر بكثير من المفاهيم الشيعية الباطنية التي تمتد جذورها في ثقافات وحضارات سبقت الاسلام كما أشرنا الى ذلك في الفصل الثاني من هذه الدراسة.
ومن بين هذه المفاهيم تصنيف المعرفة الى ظاهر وباطن، والعلم الى شريعة وحقيقة، والاعتماد على التأويل فى تفسير كثير من الآيات والأحاديث وحتى أقوال الصلحاء.
وقد عبّر لنا الغبريني عن هذا المفهوم عند ترجمته لأبي علي حسن بن علي بن محمد المسيلي المتوفي حوالي سنة 580 هـ، بقوله: " الامام أبو علي حسن بن علي بن محمد المسيلي كان يسمى أبا حامد الصغير، جمع بين العلم والعمل والورع، وبين علم الظاهر والباطن وله المصنفات الحسنة "1.
إن عبارة كهذه تدل دلالة واضحة على الأثر الشيعي الباطن في في التوجه الصوفي الذي بدأ ينتشر في بلاد المغرب الاسلامي بصفة عامة والأوسط بصفة خاصة مع أواخر عهد المرابطين وبداية عهد الموحدين الذين ربما وجدوا في هذا التوجه الصوفي سندا رئيسيا لمواجهة الفقهاء، ومما يؤكد انفصام العلاقة بين المتصوفة وفقهاء المرابطين السلفية ذلك الصراع والعداء بينهما خاصة في القرن الخامس الهجري
لم يصطدم المرابطون بالزهاد، ولكنهم رفضوا التوجه الصوفي الفلسفي خاصة القادم من الأندلس وكذا العراق، لأن هذا التوجه عبّر عن نزعتين منبوذتين في مجتمع العلمي المرابطي فأما النزعة الأولى فهي الميل الى الفلسفة ومفاهيمها المعرفية التي تعود جذورها إلى معتقدات وحضارات قبل الاسلام، أما النزعة الثانية فهي النزعة الباطنية الشيعية.
لكن يبدو أن موقف الحماديين في شرق المغرب الأوسط، كان أقل عداءً للتوجه الصوفي من فقهاء المرابطين ذلك أن بجاية عاصمة الحماديين كثيراً ما استقبلت أو أنجبت علماء من المتصوفة، مما يدل على أن الوسط الفكري عند الحماديين كان منفتحا على اتجاهات مختلفة في الثقافة الاسلامية، وأن سلطة الفقهاء كانت لها حدودها بخلاف ما كان عليه الحال عند
المرابطين.
1
- الغبريني، ابو العباس، عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية تحقيق عادل نوهيض، منشورات دار الأفاق الجديدة، بيروت، 1979، ص 33.
300