سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٩وقد سمح لنا هذا المنهج بتكوين رؤية ذات طابع شمولي، قابلة لنسج العديد من صور المقارنة بين المبادئ والتجارب، وحتى الموروث الفكري لهذه التجارب، ولكننا رغم ذلك، لم نعمد الى عقد الكثير من هذه المقارنات، لأنها تجرنا الى إشكاليات متعددة، تبعدنا عن صلب
الموضوع، وتزيد من تشعبه، وصعوبة معالجته، وهذا ما لا تسمح به ظروف هذه الدراسة. أما الخطوات المنهجية التي سرت عليها في معالجة هذه الفصول الثلاث، فتتمثل في عنصر أول في كل فصل، يتناول الجذور التاريخية والأصول الفكرية لكل اتجاه مذهبي وهذا العنصر يبحث في نشأة كل اتجاه مذهبي من البدايات الأولى، ويرصد كل مظاهر التحول والتطور الفكري في هذه الاتجاهات حتى وصولها الى بلاد المغرب الاسلامي، خاصة الأوسط
منه، حيث تبدأ تجربتها التاريخية مستندة في ذلك إلى ميراث تجربتها في المشرق الاسلامي. أما الأصول الفكرية، فهي المبادئ النظرية الأساسية التي قام عليها كل اتجاه، وفي نفس الوقت يسعى إلى تحقيقها في إطار تجربته التاريخية، وهذه الأصول أو المبادئ، يمكن تصنيفها في مجالين أساسيين هما المجال السياسي، والمجال العقدي، وهذه سمة مشتركة، خاصة بين الخوارج وتمثلهم الإباضية في المغرب الأوسط، والشيعة وتمثلهم فرقتي الزيدية والإسماعيلية، أما السنة، فبالرغم من اشتراكهم مع التيارات السابقة في البعد السياسي والعقدي، إلا أن أهم أصل يقوم عليه هذا التيار، هو الأصل الفقهي التشريعي. أما العنصر الثاني من كل اتجاه، فيتناول عرض التجربة التاريخية السياسية لكل اتجاه، حاول فيها كل طرف من هذه الأطراف المذهبية، بناء الدولة وفق تجربته التاريخية السابقة ومفاهيمه النظرية، وفي هذه المرحلة واجه كل طرف من هذه الأطراف المذهبية المتنافسة، الواقع السياسي والاجتماعي، مما أملى عليه الكثير من المراجعات الفكرية تحت تأثير ضغط الواقع، هذه المراجعات التي قد تصطدم أحيانا أصوله النظرية. مع
في حين يتناول العنصر الثالث من كل اتجاه مذهبي، الميراث الفكري الذي خلفه لنا في بلاد المغرب بصفة عامة، والأوسط بصفة خاصة، هذا الموروث الذي يتمثل في المساهمة بفاعلية في انتشار التعليم، وتحسين المستوى الثقافي لأبناء المغرب الأوسط، إلى جانب ظهور فئة الفقهاء والعلماء والكتاب، كما أدى هذا النشاط إلى تنوع العلوم والمعارف، فكان هذا الجانب أكثر حيوية وأهمية في تاريخ الحركة المذهبية، وعاملا أساسيا في تطوير الحياة الثقافية، كما يعكس جانبا من ثراء وتنوع الفكر الاسلامي، دون أن ننفي تأزمه.
أما الفصل الرابع والأخير من هذه الدراسة، فهو عبارة عن محاولة فكرية لقراءة تركيبية للمشهد الثقافي في ظل هيمنة النزعات المذهبية هذه القراءة نعتقد أنها لازالت في المهد، وقابلة
د