شرح قصائد ابن زياد العماني للشيخ الأفضلي، إسماعيل ابن صالح
الجزء ١ · صفحة ١٦القسم الأول: قسم التقديم
أهله، من مقامه في الغربة، فلما ملأ وطابه علما، وحانت ساعة رحيله إلى الوادي فتح تلك الكوة وأخرج تلك الرسائل وقام بقراءتها، فوجد من الأخبار الفواجع التي لو اطلع عليها لخارت عزيمته، وغارت إرادته في طلب العلم، فتبين له أن العديد من أقاربه قد توفوا كما كانت الفترة التي رحل فيها إلى جربة لطلب العلم فترة فتن في الوادي كما تقدم ذكره، فلا نستبعد أن تحتوي هذه الرسائل على مثل تلك الأخبار التي تقض المضجع، وتشتت العقل. وتورد لنا المصادر التاريخية أيضا قصة تدل على جلد الأفضلي وصبره في سبيل طلب العلم وعدم ملله رغم طول السنين، حيث يروى أنه استغلقت عليه ألفية بن مالك في علم النحو وصعب عليه فهمها، فلما أعيته، ودب اليأس في نفسه، استأذن شيخه بالرجوع إلى بلده فأذن له، وعندما جمع
فلم يكن يقرأ ما فيها، بل يرميها في كوّة ويسدّ عليها، حتى لا تشوّش الأخبار تفكيره، وتنغص
بالرحيل أخذ يردد قول ابن مالك:
ورفعوا مبتـ ـدأ بالابتـ
متاعه
كذاك رفع خبر بالمبتدا
وهم
فأخذ يتمعن في البيت حتى فهم معناه وأدرك سهولة ذلك، وتذوق حلاوة العلم، فقرر عدم المغادرة، فزاد بعد ذلك حولين كاملين أتمّ فيهما، مراده وتمكن فيها من معاقد العلم.
2. طرق تعلمه: لقد كان للأفضلي عدّة سبل في تحصيل العلوم على غرار التتلمذ على مشايخه، فقد كانت للأفضلي ميزة نحسب أن لها دورا كبيرا في تكوينه العلمي - والله أعلم - وهي ما يشبه اليوم بالتخرج على كتاب، أو تلخيص كتاب، فقد كان الأفضلي نساخا بامتياز فقد قام بنسخ عدد كبير من كتبه الشخصية بنفسه أثناء إقامته بتونس وهذا بالخط الزمامي، والعجيب أنه خط شيخه يوسف المصعبي، وإن دل هذا على شيء؛ فإنما يدل على تأثر التلميذ بشيخه فأصبح يقتدي به في أدق تفاصيله، ووضع أيضا حواش وتعليقات على هذه الكتب، وغيرها مما تدل على استيعابه ما فيها، وتضلعه بفنونها وسنوردها تحت مطلب الآثار العلمية.
ولقد بلغ الأفضلي من العلم مبلغا عظيما فشهد عليه القاصي والداني، وبرع في فنون شتى شهدت على ذلك ألسنة طلبته معترفين بسعة علم شيخهم، وتبحره في فنون الشريعة يقول الشيخ إبراهيم بن
المرجع السابق، ج 1، ص 256
2 وهو أحد الخطوط العربية المغربية، ويعرف أيضا بخط المسند، وسمي بالزمامي نسبة لكلمة الزمامات وهي الوثائق والعقود العدلية، التي يكتبها الموثقون، وهو خط يكتب بسرعة، وهذا راجع لطبيعة عمل أصحابه وهم الموثقون لهذه العقود، فلا وقت لديهم لتزيين خطهم، أو الكتابة ببطئ، وهو من أصعب الخطوط المغربية قراءة انظر: خالد محمد المصري، مرجع الطلاب في الخط العربي، دار الكتب العلمية، دط، 2014، 207. أيضا: ص ا محمد حازم، عبقرية الخط العربي في الحضارة الإسلامية، ص 73.
11