جبل نفوسة منذ انتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21-442هـ) مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ١٨٣

ومما يمكن ملاحظته أن الرستميين تخلوا عن مبدأ هام وهو الشورى، وتحولت الإمامة إلى ملك يتوارثه الآباء، ويعد ذلك خرقا صارخا لأهم مبدأ نادى به الإباضية منذ خلافة علي بن أبي طالب، وأصبح مجرد شعار يستغل ليلتف حولهم الموالي والمستضعفين. ونعتقد أن كل الثورات والقلاقل التي عرفتها تيهرت ما هي إلا تعبيرا عن رفض الرعية لهذه الممارسات. ولعل يزيد بن فندين هو أول من تفطن لهذه المسألة عندما تولى عبد الوهاب الإمامة، فأنكر إمامة عبد الوهاب باعتبارها لا تجوز شرعا. ويعبر سكوت البقية عن هذا الخرق وانضمامهم إلى الأئمة تراجعا كبيرا عن مبادئ المذهب الإباضي التي ناضل من أجلها أبي عبيدة مسلم، وعبد الله بن أباض، وأبي حمزة الشاري، وعبد الله بن طالب الحق، وغيرهم. واتخذت القبائل الإباضية هذا الخرق قاعدة لها في تعيين العمال، وسنرى بأن النفوسيين أنفسهم حصروا ولاية الأقاليم والمدن في الجبل في أسر معينة. ومما نلاحظه كذلك هو أنه إذا كان التيهرتيون اختاروا عبد الرحمن لتولي الإمامة نظرا لعدم وجود عصبية تحميه، ويسهل تنحيته إذا حاد عن الطريق المستقيم، فإن الأئمة الذين تولوا بعده اعتمدوا أساسا على العصبيات للحفاظ على الحكم، وكانت نفوسة إحدى العصبيات القوية التي استعان بها الأئمة في الاحتفاظ بالحكم. ونلاحظ كذلك انتشار مظاهر الفساد والمجون في البيت الرستمي نفسه، وفي مصالح الدولة. وتجدر الإشارة كذلك إلى أن الإباضية في تيهرت تحولوا بعد مدة زمنية إلى أقلية، خاصة بعد هجرة العديد من المسلمين إليها، وأصبحت الأقلية هي التي تحكم الأغلبية وتفرض عليهم مبادئها السياسية والدينية. وتحول المجتمع التيهرتي إلى فسيفساء يتشكل من المالكية، والواصلية، والصفرية، والشيعة، والمسيحية من العرب، والبربر، والعجم، وبذلك استحال التعايش بين مختلف القبائل، ومختلف المذاهب، والطوائف.

١٨٣ / ٤٣٨