جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٣١٥ولم يهمل خلفاء بني عبيد كذلك هذه الطرق، بل أعطوها عناية كبيرة، حيث أنشأوا أماكن الاستراحة على طول الطرق، وحفروا الآبار، وأنشأوا الأساطيل لحماية سواحلهم من أعمال القرصنة. ولعل أهم طريق حظي باهتماماتهم هو الطريق المؤدي إلى مصر. فقد أمر الخليفة المعز لدين الله سنة 355هـ (965م) عمال برقة بحفر الآبار، لتوفير المياه على طول الطريق. كما وضعوا الحاميات العسكرية في الحصون والقلاع الممتدة على طول الساحل،(1) وقد سبقت الإشارة إلى أن المراكشي قد ذكر أن العمارة كانت متصلة من الإسكندرية إلى القيروان، وأن القوافل كانت تمشي ليلا ونهارا في هذا الطريق في مأمن، وأن حصونا كثيرة متقاربة موجودة بين الإسكندرية وطرابلس.(2) وقد ذكر اليعقوبي بعض أسماء هذه الحصون مثل: حصن وادي مخيل، وحصن بلبدة، وحصن بأجدابية، ومحارس بمدينة يقال لها أجية.(3) وانتشرت الأربطة، والحصون، والقصور، فقد بلغ عدد القصور الموجودة بين قابس وطرابلس خمسة وعشرون قصرا،(4) وبين طرابلس وسلوق ثمانية وثلاثون قصرا. فلا مندوحة إذن أن يقول القاضي النعمان في وصف الأمن والاستقرار والطمأنينة على هذا الطريق: "إن التجار يسافرون بالأموال الصامتة، والنعم الظاهرة، يمر بها الواحد والإثنان في الجبال، والشعارى، بالفلوات، والبراري، فيبيت حيث أمسى، ويسير حيث أحب واشتهى، كأنما في سوقه يبيت آمنا ويصبح سالما".(5)
ورغم حدوث ثورات وحروب كثيرة في العهد الفاطمي، إلا أن ذلك لم يكن عائقا يشل حركة التجارة إذ ظل الخلفاء حريصين على تأمين الطرق لأنهم كانوا في أمس الحاجة لذهب السودان، ورقيقه ليتمكنوا من تحقيق أغراضهم السياسية البعيدة المدى.(6)
(1) - صالح مصطفى: المرجع نفسه، ص223.
(2) - المعجب، ص196.
(3) - صفة المغرب، ص2-3-4-6.
(4) - صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص224.
(5) - جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية، ص195.
(6) - جودت عبد الكريم: المرجع نفسه، ص195.