جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٣٦٠كان الأئمة الرستميون تواقين إلى العلوم والمعرفة فكرسوا حياتهم لدراسة الكتب والتأليف، وتشجيع الناس على طلب العلم بمختلف فنونه، وإقامة الحلقات العلمية في المساجد والبيوت. وكانت للأئمة أنفسهم حلقات علمية أقاموها في المساجد أمها الطلبة من كل حدب وصوب، ومن مختلف المذاهب والنحل خاصة وأنهم كانوا متسامحين مع مختلف الآراء، فلا غرابة إذن أن يعبر الباروني عن ذلك بقوله: "بلغت هذه الأمة بمدينة تاهرت من العلم والأدب والفضل والعدل المقام السامي حتى قال البعض منهم: "معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعرف القمر في أية منزلة هو في كل ليلة".(1) وقد اشتهر مؤسس الدولة الإمام عبد الرحمن بن رستم (160-171هـ) (776-787م) ببراعته في علوم الدين واللغة والفلك مما جعله يقبل على تأليف كتاب يفسر فيه القرآن الكريم،(2) كما أنه ترك ديوانا يحتوي على خطب ورسائل وأجوبة كثيرة في مختلف فنون العلم،(3) ويبدو أن ابن الصغير لم يطلع على هذه المؤلفات إذ قال في حديثه عن عبد الوهاب: "لم يكن لأبيه عبد الرحمن كتاب معروف من تأليفه".(4)
ولم يختلف عنه ابنه وخليفته من بعده الإمام عبد الوهاب (171-211هـ) (787-826م). فقد كان له هو الآخر باع طويل في دفع الحركة الثقافية في تاهرت إذ ألف كتابا يعرف بـ "مسائل نفوسة" عبارة عن أجوبة لأسئلة بعثت بها إلى الإمام فأجاب عنها.(5)
(1) - الباروني: رسالة سلم العامة، ص15؛ وينظر كذلك: الشماخي: السير، ص162.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص193؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب، ص488.
(3) - الباروني: الأزهار، ج2، ص147.
(4) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص45.
(5) - ابن الصغير: المصدر نفسه، ص45-46؛ الباروني: المرجع السابق، ص218؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص237.