جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٣٦٤يرجع تاريخ الحركة العلمية في جبل نفوسة إلى العقد الأول من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) حين قدم سلمة بن سعد إلى بلاد المغرب داعيا سكانه إلى الأخذ بالمذهب الإباضي. وقد مر بنا أن سلمة هذا أرسل محمد بن عبد الحميد مغطير النفوسي الجناوني إلى البصرة لأخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ولما عاد أصبح مفتيا، ويقال إنه أول من جمع القرآن كله في الجبل وحفظه.(1) ثم أرسل سلمة بعثة علمية أخرى تكونت من: عبد الرحمن بن رستم، وأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وعاصم السدراتي، وأبي داود القبلي النفزاوي وإسماعيل بن درار الغدامسي، وهي البعثة التي أصبح أصحابها يعرفون بـ "حملة العلم المغاربة". ولم تمض مدة زمنية طويلة بعد عودتها حتى برز العديد من العلماء الذين تلقوا عنهم العلم مثل أبي خليل الدركلي، عبد الوهاب بن عبد الرحمن، محمد بن يانس، وعمرو بن يمكتن. وتذكر المصادر أن هذا الأخير يعد أول من أسس حلقة الدرس في منطقة طرابلس حيث كان يمر القادمون من المشرق فكان يكتب عنهم لوحة من القرآن، ويعود إلى أهله فإذا حفظها عاد مرة أخرى إلى قارعة الطريق ليكتب غيرها. وظل على هذه الحال إلى أن حفظ القرآن كله.(2) ويعود هذا الفضل في تكوين أول مدرسة لتعليم القرآن ومبادئ المذهب الإباضي في قرية "إيفاطمان" بالجبل.(3) ولاشك أن هذه المدرسة التي كانت ملتقى للعلماء والطلبة وفاتحة لحلقات أخرى نظمت في مناطق متعددة بالجبل، مما كان لها الفضل الكبير في نشر المذهب الإباضي في هذه
(1) - نفسه، ص143؛ صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص251.
(2) - ابن سلام: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص149؛ الشماخي: السير، ص142-143؛ عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص137؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص277؛ موسى لقبال: المغرب الإسلامي، ص166.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص142؛ لقبال: المرجع نفسه والصفحة ذاتها؛ بحاز: المرجع نفسه، ص278.