فاروق عمر فوزي - الإمامة الإباضية في عمان
الجزء ١ · صفحة ٣١الاعتدال أو التشدد ويبدو أن أراء المعتدلين أو العقدة كانت قد إنتشرت في البصرة من خلال جابر بن زيد الأزدي الامام المستور وكذلك بواسطة عبدالله بن اباض وابي بلال مرداس بن أدية التميمي. وتقضي هذه الأراء الخارجية المعتدلة بجواز الاقامة بين
المسلمين ومناكحتهم وموارثتهم فلم يدعوا هجرة ولم يخيفوا آمنا ولا يستحلوا إستعر ولا يغنموا أموالاً ولايسبوا ذرية ولم يرتاوا الخروج حيث لم يحن وقت الخروج. وقد طبعت هذه السلوكية الفرقة الأباضية في معاملتها لأهل الخلاف من المسلمين. أما نافع بن الازرق ومن إنضم اليه فقد أرادوا الخروج على أئمة الجور ولم يجوزوا الاقامة بين المسلمين بل تبنوا الهجرة والاستعراض وتشريك المسلمين. فكان هذا إنقساماً نهائياً بين
(VA).
المعتدلين - الذين سمّاهم مخالفيهم (بالعقدة) لقعودهم عن الجهاد وبين المتشددين (76). بعد عودة العراق الى الحكم الأموي ومقتل عبد الله بن الزبير إزدادت نشاطات العقدة المعارضة للدولة الأموية دون اللجوء الى الثورة وحمل السلاح وكان زعيمهم عمران بن حطان (77) الذي نال نصيبه من سجن الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق القوي في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان. وقد حدث انشقاق جديد بين العقدة في هذه الفترة فجماعة بزعامة عبدالله بن صفار كانت ترى الخروج والثورة ضد الأمويين ولكنها لا تكفر العقدة بل تتهمهم بالتقصير، وجماعة أثرت الاستمرار في سياسة الاعتدال والقعود بإنتظار الفرصة المواتية (79) وهؤلاء هم الأباضية الذين تزعمهم فيما بعد في البصرة الامام جابر بن زيد الأزدي لقد مثلت الأباضية منعطفاً مهماً في تاريخ المحكمة الأولى وذلك لاعتدال ومرونة أرائها واتصاف مواقفها السياسية بالواقعية مما أبعدها عن المثالية والتشدد والحماس الذي اتصفت به حرکات خارجية اخرى. كما وأن تنظيمها السري الدقيق جعل حركاتها ضد أعدائها حركات مخطط لها تكون إمكانيات نجاحها اكبر كما أثبتت ذلك الوقائع التاريخية. ثم أن معارضتها للحكم القائم كانت ضمن مفاهيم ومباديء داخل إطار الاسلام وقيم العروبة وهي بذلك تختلف عن العديد من الحركات التي تسترت بإسم الاسلام واخفت عقائد بعيدة عن روحه وعن تراث المجتمع العربي الاسلامي. واضافة إلى ذلك كله فقد كان الظروف الاقليمية والقبلية والسياسية دورها في انتشار الدعوة الأباضية في عُمان وغيرها من الاقاليم الإسلامية كما سنلاحظ لاحقاً.
29