فاروق عمر فوزي - الإمامة الإباضية في عمان
الجزء ١ · صفحة ٥٢الدنيا وطلبوا الرئاسة فيها (170). فالامام الصلت يعزو سبب الخروج الى انقراض الجيل الاول وظهور الشباب الأباضي الراغب في الدنيا والطموح إلى الرئاسة. ويبدو واضحاً من أقوال الامام الصلت أن الجيل المؤسس اكثر اخلاصاً وعلماً ولا يبتغي من وراء عمله مصالح شخصية، أما الأجيال التي تعقبه فهي تتدرج في مرتبة الاخلاص والعلم حتى يأتي جيل لا يملك من القدرات والمبادئ ما يستطيع به المحافظة على الدولة فتنهار، ولعل هذه النظرة أكثر وضوحاً في تفسير ابي المؤثر الصلت بن خميس الذي كان معاصراً للأحداث حين يقول: "ولكن القدوة بأهل العلم بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأثار السلف من أولى الأمر الذين جعلهم الله للناس أئمة يفرقون بين الحق والباطل … يمضي على ذلك أولهم ويقفوهم على اثارهم أخرهم .. حجتهم واضحة ودعوتهم شارحة فكلما مضى منهم قرن خلفهم من بعدهم من هو دونهم بالفقه والعلم الا ان الديانة واحدة … على ذلك تبايعوا وتشايعوا وتواصلوا الى ان انتهى الامر الى قرن من اهل عمان فيهم بقية من أهل العلم (171). وتؤكد تحليلات أبي قحطان خالد بن قحطان التي تمثل وجهة النظر الموالية للامام الصلت بن مالك الاتجاه نفسه حين يقول نشأ في الدولة شباب وناس بتخشعون من غير ورع ويظهرون حب الدين ويبطنون حب الدنيا ويأكلون الدنيا بالدين، فلما طال عمر الصلت عليهم ملوه لما كبر وضعف"، ثم قال: "فلما ذهب اعلام المسلمين وفقهاؤهم وأهل الورع ومن يطلب الآخره وبلغ الكتاب أجله وأراد الله ان يختبر اهل عمان كما اختبر من قبلهم .. فلما اختبرهم قل بصرهم وزالت عقولهم وجاروا عن الحق وخالفوا سيرة المسلمين الأ قليلاً أنقذهم
الله (172)
يتضح من هذا كله أن هناك عنصرين متداخلين ومؤثرين في رسم السياسة العمانية، الاول شخصية الامام ومدى كفاءته في معالجة امور الدولة، أما العنصر الثاني فهو شخصية الفقيه او شيخ الدعوة ودوره في تماسك ووحدة الاباضية ومدى تعاونه مع الأمام. ويبدو أن الفقيه موسى لم يكن يتمتع بالخصائص التي تؤهله لهذا المركز الحساس ولم يقدر عواقب الامور والنتائج الوخيمه لعزله الامام. كما وأن الامام الصلت لم يكن من القوة بحيث يوقفه عند حده بسبب تصدع قيادة الدعوة وقلة كفاءتهم وايشارهم المصلحة الشخصية على مصلحة الدولة العامة.