جبل نفوسة وعلاقته بالدولة الرستمية من منتصف القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث الهجري صالح معيوف مفتاح

نفوسة وعلاقته بالرستمية

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

حدد هذا النص وظيفة الإمام التي يجب أن يقوم بها، وهي وظيفة شرعية دينية تمكنه من الحكم أو الاحتكام إليه في ما عن لهم من مسائل شرعية ورد المظالم، وأن يؤمهم في صلاتهم، ويجمع زكاتهم، وتوزيع الغنائم والفيء بينهم، وهي أحكام مستنبطة من سيرة الخلفاء الراشدين الذين كانت هذه المهام من أولى مسؤولياتهم.

هكذا كانت مسؤولية أو وظيفة الإمام في المقام الأول، دون الإشارة إلى إدارة شؤون الحرب والسياسة، مما يعزو إلى بساطة التفكير في اختيار الحاكم، أو أن هذه الإمارة _إن صح التعبير_ كانت تنحو بنفسها عن الدخول في صراع مسلح مع من جاورها من القبائل أو الدول، مما يبين رغبتها في العيش في دعة وسلام، ولو في بداية أمرها وإلى حين أن يشتد عودها.

وبما أن مجتمع تيهرت كان مجتمعا قبليا تحكمه الولاءات للقبائل المكونة لنسيج المذهب الإباضي، فإنه من الصعوبة بمكان اختيار إمام يجتمع هذه المتناقضات القبلية والمصالح المتضاربة دون أن يكون ذلك لقبيلة على حساب الأخرى، مما جعل زعماء القبائل المختلفة لا يميلون بل يرفضون أن يسلم أمر الإمام لأحد هؤلاء الزعماء أو الأشياخ حتى لا ينحاز لقبيلة دون القبائل الأخرى.

واحتفظ ابن الصغير بنص صريح يبين مدى حيرة زعماء القبائل في اختيار إمام من بينهم، مما يعتبر ذلك خطرا على وحدة تلك القبائل والتي وإن اعتنقت المذهب الإباضي، فإن ذلك لم يكن رباطا قويا لإزالة الاختلافات فيما بينها، بل إن لتلك القبائل البدوية مصالحها ومجالاتها الرعوية والتجارية التي ينشب النزاع بينها بسببها فقال: "فقلبوا أمرهم فيما بينهم فوجدوا كل قبيل منهم فيه رأس أو رأسان أو أكثر يدير أمر القبيل ويستحق أمر الإمامة، فقال بعضهم لبعض: أنتم رؤساء ولا نأمن أن يتقدم واحد على صاحبه فتفسد نيته، ولعل المتقدم أن يرفع أهل بيته وعشيرته على غيرهم فتفسد النيات، ويكثر الاختلاف ويقل الائتلاف"(1).

(1) نفسه، ص 29.

١٣٦ / ٢٧٧