نفوسة وعلاقته بالرستمية
الجزء ١ · صفحة ١٧١انسحب نفات إلى المشرق(1) تاركا الأمور إلى حين، ولكن رحيله إلى المشرق طرح بعض التساؤلات هل هو لتطبيق عقوبة النفي والإبعاد؟ أم أن هذه الهجرة أرغم عليها عندما شعر بالخطر على حياته؟ولكن الباروني يؤكد إجابة السؤال الأخير: "فلما قرأ نفات هذا الكتاب وفهم إشارات الإمام فيه، وأدرك ما ترمي إليه آخر عبارة، وهي قوله: وأني غير كاتب إليك كتابا بعد هذا"(2).
من هنا نفهم أن دور المعارضة السلمية التي بدأها نفات قد انتهى وإن بقيت الأفكار بين عامة الناس وتبناها بعض الأفراد، فإن الداعي الأول إليها وهو نفات قد حزم أمره على الخروج إلى المشرق والوصول إلى بغداد(3).
انتهى طور من أطوار المعارضة التي تعرضت لها الإمامة الرستمية والتي كان ميدانها هذه المرة كسابقتها هو جبل نفوسة، وإن اتسمت هذه المعارضة بالطابع السلمي، والتنكير على ممارسات الإمام الرستمي والولاة والعمال فهي كانت أخطر من سابقتها من حيث الطعن في أسلوب الحكم السياسي الذي يستند على شرعية دينية تبناها (المذهب الإباضي) وهو (مبدأ الشورى) لاختيار الإمام.
ولكن أفلح الذي آلت إليه الإمامة توا بعد وفاة أبيه عبد الوهاب (208 ه)(4) يؤكد استقرار مبدأ الوراثة واختفاء مبدأ الاختيار في الحكم الرستمي، مما يعتبر انتهاكا لتلك المبادئ التي تبناها الإباضية وثاروا من أجلها على نظام الحكم الوراثي في المشرق.
وما يهمنا في هذا الأمر أن هذه المعارضة المتوالية لنظام الحكم الرستمي وما نتج عنها من انقسامات قد هيأت الأمر للمطالبة بإقامة إمامة إباضية في جبل نفوسة والدعوة لها. وتأسيسا على تلك الافتراقات التي قادها رجال من الجبل منهم من رأى أحقيته للإمامة وأن قيامها في الجبل هو من الضرورات الشرعية لانقطاع الحوزات بين تيهرت وجبل نفوسة، فمنهم من أنكر انحرافات إمامة تيهرت برأي فقهي دون عنف.
(1) نفسه، ص 262.
(2) نفسه، ص 262.
(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 167.
(4) نفسه، ص 167.