جبل نفوسة وعلاقته بالدولة الرستمية من منتصف القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث الهجري صالح معيوف مفتاح

نفوسة وعلاقته بالرستمية

الجزء ١ · صفحة ١٨٥

وربما كان للإمام عبد الوهاب مبرراته التي لم يفصح عنها ولم تذكرها المصادر الإباضية، ولكن أفصحت عنها الأحداث اللاحقة فيما بعد عندما هلك الوالي الذي حدث جدال في توليته وكذلك بعد وفاته. مما يؤكد أن معارضة الإمام عبد الوهاب أو تمنعه كان صائبا في عدم تولية السمح على الجبل، نظرا لما يمثله لأهل الجبل من ارتباط روحي بإمامتهم الأولى في طرابلس وخاصة أنه ابن إمامهم، مما يهيئ هذا الأمر إلى خلق ظرفية سياسية ومذهبية جديدة، يبدو أن الإمام تنبأ بها من خلال معارضته تلك، وهي انشقاق كبرى ولاياته الشرقية حيز طرابلس وجبل نفوسة عن الدولة الرستمية في تيهرت. وأن تولية السمح ابن الإمام أبي الخطاب ستخلق مبررا لتوارث الحكم في الجبل مثلما حدث في تيهرت، بل المناداة بشرعية السمحيين(1) وأحقيتهم في الإمامة دون غيرهم، وهذا ما يبدو من أسباب معارضة الإمام عبد الوهاب في أمر هذه الولاية، وخاصة إذا علمنا أنه بانتقال الإمامة من عبد الرحمن بن رستم إلى ابنه عبد الوهاب أصبحت نظاما ملكيا وراثيا، مما أثار معارضيه عليه لمخالفته مبادئ الحكم الإسلامي وأهداف المذهب الإباضي في تحقيقها، وهو مبدأ الشورى في الحكم. فقد رأى الإمام عبد الوهاب أن هذا المبدأ الذي لم يلتزم به فقمين بوالي جبل نفوسة وحيز طرابلس أن يتنصل هو الآخر من هذا المبدأ ويعلنها ملكية وراثية في جبل نفوسة، مما يشكل خطرا يتهدد كيان دولته في تيهرت.

ولذلك _في رأينا_ فإن معارضة الإمام عبد الوهاب لتولية وزيره السمح المقرب والأثير لديه في ولاية جبل نفوسة ترجع لتلك الأسباب.

(1) هم أتباع السمح بن أبي الخطاب، وقد وردت هذه الكلمة عند ابن الصغير على هذا النحو "واتصل ذلك بأبي بكر فابتدر إليه خاصته من السمحيين والرستميين…". (ابن الصغير، الأئمة، ص 79).

١٨٥ / ٢٧٧