جبل نفوسة وعلاقته بالدولة الرستمية من منتصف القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث الهجري صالح معيوف مفتاح

نفوسة وعلاقته بالرستمية

الجزء ١ · صفحة ٢٠٥

ويروي أبو زكرياء(1) هذه الحادثة دون تحرج حيث قال: "فأسرع القتل في الفريقين وكثر الجراح والقتل في نفوسة حتى هموا بالانهزام، فصارت تنهدم الرجال من الصفين كالحيطان، فلما رأى ذلك واليهم أفلح بن العباس أمر صاحب البند أن يحفر له في الأرض ويوقفه كي لا ينهزم عن البند أحد".

وكان صاحب البند تحت ضغط أفلح وإلحاحه قد حفر للبند مرغما وقال له: "لقد أمسكته عند جدك فلم يقل لي ذلك، وأمسكته عند أبيك فلم يقل لي ذلك، فإن حفرت له حفر الله لك"(2).

ويؤكد أبو زكريا أن أفلح بعد أن تأكد من ثبات البند ولى هاربا. لماذا فعل أفلح ذلك؟

لاشك أن ما ذهب إليه ابن عذاري هو الأصوب والأقرب إلى الحقيقة؛ حيث أن وجهة سير ابن الأغلب كانت مصر وليس تيهرت كما توهم أبو زكرياء أو هكذا أراد من ذلك، وإلا ما سبب هذا الانشقاق بين الوالي المرغم على القتال والذي استغل موضوع البند وغرزه في الأرض لتباد نفوسة وأهل الجبل حوله. أليس هذا يدل على خلاف في الرأي؟ وإن ما خرجت له نفوسة ومن معهم كان بدون موافقة الجميع ولأسباب واهية لم تبين عنها المصادر التي بحوزتنا.

وعن قصة ثبات هذا البند وأنه كان سببا مباشرا في إلحاق الهزيمة والمذبحة بنفوسة يستطرد أبو زكريا في ذلك قائلا: "فحفر للبند وأوقفه، فولى أفلح مدبرا وتركهم يلودون بالبند ولم يستجيروا أن ينهزموا والبند واقف حتى قتل منهم بشر كثير"(3).

وعن خسائر هذه الوقعة يتحدث أبو زكرياء: "إنه بلغنا عن الثقاة من أهل الجبل أن عدة من قتلاهم اثنا عشر ألفا، أربعة آلافا من نفوسة، وثمانية آلاف من كان معهم من البربر وغيرهم وفيهم أربعمائة عالم"(4).

(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 152.

(2) نفسه، ص 152.

(3) نفسه، ص 152.

(4) نفسه، ص 152- 153.

٢٠٥ / ٢٧٧