جبل نفوسة وعلاقته بالدولة الرستمية من منتصف القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث الهجري صالح معيوف مفتاح

نفوسة وعلاقته بالرستمية

الجزء ١ · صفحة ٢٠٩

ويروي أبو زكرياء(1) عن أبي الربيع سليمان أن عبد الرحمن بن رستم بعد فراره من القيروان إلى جبل سوفجج (المغرب الأوسط) لحقه ستون شيخا من مشايخ إباضية طرابلس، ولنا أن نتصور كم مع هؤلاء الأتباع من قبائل نفوسة وهوارة وزناتة. مما يعطي لنا صورة واضحة على مدى ارتباط إباضية طرابلس وجبل نفوسة بالإمامة في تيهرت بعد أن كانت آمالهم هي تكوين دولة في حيز طرابلس أو جبل نفوسة، أي أن جبل نفوسة وحيز طرابلس هم أول من رفع لواء المعارضة لدولة الخلافة. وعندما انحدروا مرتين(2) على أيدي العباسيين وولاتهم في إفريقيا تبدد أملهم في بناء كيان إباضي في مأمن من خطر العباسيين في طرابلس أو جبل نفوسة، نظرا لوقوعها في طرق الحملات العباسية القادمة من المشرق لنجدة ولاة القيروان وتوفير المدد المستمر، مما جعل الإباضية ينأون عن طريق تلك الحملات لضمان استمرار دولة إباضية مستقلة عن دولة الخلافة تطمح في الاستقلال بإفريقية.

ولكن رغم ذلك التفكير الذي نتج عنه إعلان الإمامة في تيهرت (161 ه)(3) فإن قبائل هوارة الإباضية القاطنة في حيز طرابلس لم تيأس من محاولة بناء كيان إباضي في طرابلس، فنجدها تشن الغارة تلو الغارة على طرابلس حتى أواخر القرن الثاني الهجري (196 ه)(4) عندما استنجدت هوارة بالإمام عبد الوهاب أثناء إقامته في جبل نفوسة، وحاصرت مدينة طرابلس عندما كانت هذه الأخيرة عمالة تابعة للأغالبة في القيروان.

(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 77.

(2) كانت الأولى هزيمة أبي الخطاب وقتله في جملة اتباعه 144 هـ، والثانية هزيمة أبي حاتم ومقتله 155 هـ في جبل نفوسة.

(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 85.

(4) الباروني، الأزهار، ص 197.

٢٠٩ / ٢٧٧