جبل نفوسة وعلاقته بالدولة الرستمية من منتصف القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث الهجري صالح معيوف مفتاح

نفوسة وعلاقته بالرستمية

الجزء ١ · صفحة ٢١٢

ولكن ما أشار إليه أبو زكرياء هنا كان قبل سنة 155 ه وتاريخ مقتل أبي حاتم وأصحابه في جندوبة بالجبل كما أسلفنا الحديث في لك. باستثناء هذا النص لم نجد أي ذكر لعلاقة جبل نفوسة مع تيهرت في عهد عبد الرحمن. وهذه العلاقة تتجلى من خلال من صحبه من علماء الإباضية من حيز طرابلس(1) والذين كانوا قوام دولته ومؤسسيها فيما بعد.

وفي هذا الصدد يشير سعد زغلول إلى أثر إقليم طرابلس والجريد والزاب في ترسيخ الدولة الرستمية في تيهرت: "فلكي يستقر ابن رستم وأتباعه الذين جاءوا معه من بلاد إفريقيا وطرابلس في المغرب الأوسط كان لابد لهم من تنظيم دعاية واسعة النطاق لنشر تعاليم المذهب الإباضي بين قبائل المنطقة، واستمر ذلك حوالي خمسة عشر سنة.

ومما ساعد على نجاح دعوة ابن رستم كون المنطقة التي نزلها تعتبر امتدادا لبلاد الزاب، وإن كثيرا من قبائلها من لواتة وهوارة وزواغة ومطاطمة أصلها من أقاليم المغرب الشرقية في طرابلس ونفزاوة وبلاد الجريد مهد الدعوة الإباضية"(2).

وقد سهل هذا الأمر سير كثير من إباضية تلك الأقاليم إلى ابن رستم، حيث أقاموا بين بني جلدتهم في المغرب الأوسط.

وإن هذا النص يوضح مدى الارتباط الذي تشكل بين قبائل طرابلس وإفريقيا من جهة والدولة الرستمية من جهة أخرى، واحتواء تلك الدولة في إطار هذه القبائل، حيث أصبحت هي مادتها ونسيج لحمتها التي كانت عليها مدارها إلى النهاية (أي نهاية الدولة الرستمية) عندما أصابها الوهن من الداخل نتيجة الصراع داخل الأسرة الرستمية الحاكمة على السلطة.

ولكن لا نعلم منه مدى الارتباط السياسي الذي كان موجودا بين حيز طرابلس وجبل نفوسة مع الدولة الرستمية. فالمصادر أحجمت عن ذكر هذه الحقبة ربما لقصرها وانشغال عبد الرحمن بن رستم بتأسيس الدولة وبناء عاصمتها.

(1) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 150، نقلا عن الباروني، الأزهار، ص83.

(2) سعد زغلول، المغرب العربي، ج 2، ص 291.

٢١٢ / ٢٧٧