نفوسة وعلاقته بالرستمية
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢إلا أن هذا السبب سرعان ما يتلاشى أمام جملة من الأسباب المباشرة، وأهمها أن عبد الوهاب هو إمام الدولة الرستمية الخارجية المعادية للدولة العباسية في المشرق، وأن الحجاز التي بها الكعبة وأركان الحج تقع ضمن نفوذ هذه الأخيرة، وعبد الوهاب في نظر العباسيين هو شخص متمرد على السلطة المركزية وولاتها في إفريقية، وهو مطلوب القضاء عليه من قبل الخلافة العباسية حيث الحروب لم تهدأ بعد لمقاومة خطر الخوارج والكيانات التي بدءوا يشكلونها في أطراف الدولة.
إذا أمام هذه الظروف كعدم أمان الطريق فلا يمكن لمسؤول رسمي الإقدام على خطوة تشكل من الخطورة ما يساهم في القضاء على كيان الدولة الرستمية.
فالمصادر الإباضية التي تناولت هذا الموضوع أوردت السبب المعلن دون تعليق، فأبو زكرياء ذكر هذه الحادثة دون تعليق حيث قال: "… وقد عزم على المسير للحج (يعني عبد الوهاب)، فاجتمع إليه جموع نفوسة فأخبرهم بمراده المسير إلى الحج، فقالوا له: يا أمير المؤمنين لسنا ندعك مخافة عليك من المسودة أن يأخذوك ويحبسوك تعطل أمور المسلمين وحدود الله وأحكامه"(1).
وإمعانا في سذاجة طرح هذا المبرر يبدو أن الإمام لم يقتنع بوجهة نظر نفوسة. فيرد نص أبي زكرياء يوضح بن الإمام "أرسل كتبا إلى أهل الدعوة يستفتيهم في ذلك"(2).
فالإمام الفقيه العالم الذي ألف كتابا لنفوسة معروف "بكتاب مسائل نفوسة، للإمام عبد الوهاب"(3) "لأن نفوسة كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كل مسألة مما سألت عنه"(4).
هل هذا الإمام أو علماء نفوسة هم بحاجة للإفتاء في موضوع الحج وهو من أبسط مسائل الفقه؟.
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 115-116، الباروني، الأزهار، ص 192-193.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 116.
(3) كتاب مسائل نفوسة، لعبد الوهاب بن رستم، تحقيق وترتيب: محمد طلاي، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1991 م.
(4) ابن الصغير، أخبار الأئمة، ص 45-46.