نفوسة وعلاقته بالرستمية
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨كما يذكر أبو زكرياء أن أتباع خلف رفضوا الكتب التي أرسلها إليهم عبد الوهاب والتي يطالبهم فيها بالاعتزال عن خلف والامتناع عن دفع زكاة أموالهم له، بل تقدموا خطوة إلى الأمام في مبدأ المعارضة عندما اجتمعوا وأرسلوا كتابا إلى أبي سفيان(1) ابن الرحيل، وهو آنذاك رأس أهل الدعوة والمقدم في أهل المشرق بعد انقضاء طبقة أبي الربيع بن حبيب وأبي غسان بن مخلد…(2).
وكان الغرض من هذا الكتاب يستفتونه فيما وقع من اختيارهم لخلف كوال عليهم في جبل نفوسة، ولكن يبدو أن جواب أبي سفيان قد جاء لصالح عبد الوهاب كما جرت العادة دائما، حيث مصدرنا في هذا الموضوع هي المصادر الإباضية(3).
على أن غالبية الإباضية في حيز طرابلس وجبل نفوسة أصروا على موقفهم، وأعلنوا الخروج على إمامة عبد الوهاب، وبايعوا خلف بن السمح إماما، وفي هذا الصدد قال أبو زكرياء: "وزعموا أن إمامهم خلف بعد سؤالهم للإمام أن يجوز لهم ما فعلوه في توليته. وزعموا أن الحوزات منقطعة لعبد الوهاب وأنهم في حوزة وهو في حوزة أخرى"(4).
إذن من خلال هذا النص نفهم أن الخلاف بين عبد الوهاب من ناحية وخلف وأهل جبل نفوسة من ناحية أخرى أخذ منعطفا خطيرا، إذ تحول من موضوع تعيين وال من قبل إباضية الجبل إلى إعلان الإمامة في حيز طرابلس وجبل نفوسة. وبذلك أصبح جوهر الخلاف يكمن في أمرين:
أولهما: مدى أحقية الرعية في تعيين العمال والولاة عليها.
والثاني: شرعية وجود إمامين في وقت واحد.
(1) أبو سفيان بن الرحيل آخر الأئمة الإباضية في البصرة، وقد عاش في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وله كتاب في تاريخ الإباضية، وأصله من الأزد. الدرجيني، طبقات، ص 278 وما بعدها، أبو زكرياء، السيرة، هامش ص 120.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 122.
(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 165.
(4) أبو زكرياء، السيرة، ص 123.