جبل نفوسة وعلاقته بالدولة الرستمية من منتصف القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث الهجري صالح معيوف مفتاح

نفوسة وعلاقته بالرستمية

الجزء ١ · صفحة ٢٤١

ومهما يكن أمر المعارضين لآراء نفات خاصة أن ما بين أيدينا من مصادر إباضية غير محايدة بل مؤيدة للإمامة في تيهرت، ومنكرة لكل من يرفع في وجهها صوت المعارضة بالحق أو الباطل فإن ذلك لا ينفي قط كون أبي نصر أو نفاث على رأي الإباضية، ثائر وصاحب آراء واجتهادات في المذهب الإباضي وداعية لإنقاذ الإمامة الإباضية مما تردت فيه من امتهان على عهد أئمة بني رستم، فقد آلت الإمامة إلى أفلح بعد وفاة أبيه مما يؤكد استقرار مبدأ الوراثة واختفاء مبدأ الاختيار في الحكم الرستمي، وكان مثل هذا الانتهاك كفيلا بإثارة عالم فقيه مثل فرج بن نصر(1) كما أشادت بذلك المصادر الإباضية نفسها.

ومجمل القول في هذا الموضوع أن العلاقة التي كانت سائدة بين الجبل وإمامة تيهرت في عهد الإمام أفلح تعرضت إلى هزات شديدة رغم بقاء جزء من أهالي الجبل على ولائهم للإمامة في تيهرت، وما ساعد الإمام أفلح على التخلص من هذه المعارضة الفقهية في الجبل هو أسلوب الترغيب والترهيب الذي استعمله مع رعاياه في الجبل الذين حاولوا إعلان الثورة على عمالهم، فبعث إليهم الإمام متلطفا واعدا إياهم بإجابة مطالبهم في تغيير من شاؤوا من هؤلاء العمال(2).

ويبدو أن سياسة التودد والملاطفة هذه كان لها دور في تثبيط عزيمة نفاث، وتصدى الكثيرين من مشايخ نفوسة لمناهضته وانصراف معظم أتباعه عنه"(3).

وتتحدث المصادر الإباضية ومنها الباروني أن نفاث أمام تهديد الإمام وتوعده له هرب إلى المشرق خارجا من حدود الدولة الرستمية حاملا معه أمواله المنقولة إلى أن حط به المطاف في بغداد مقر خلافة بني العباس(4).

(1) محمود إسماعيل، ص 167.

(2) الباروني، الأزهار، ص 256. جاء في رسالة أفلح إلى رعيته ما يلي: "من عاب على عملنا بخصلة من الخصال أو أنكر عليهم شيئا فليرفع ذلك إلينا فنكون نحن الذين يغبرون…" (الباروني، الأزهار، ص 256).

(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 168.

(4) الباروني، الأزهار، ص 262.

٢٤١ / ٢٧٧