نفوسة وعلاقته بالرستمية
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣وتتجلى هذه العلاقة أيضا في الدعم الذي كان يقدمه الجبل لتيهرت نظرا لتضلع علمائه وفقهائه في علم المنطق والجدل والمناظرات الفقهية، وقد كان الجبل يرسلهم إلى تيهرت كلما شعر أئمة تيهرت بخطر يتهدد دولتهم ويشكك في أحقيتهم في الإمامة، وقد استطاع هؤلاء العلماء الرد على الواصلية وغيرهم من خلال مناظرات في علم الكلام والفقه عقدت في تيهرت عندما استنجد عبد الوهاب برجال من نفوسة الجبل مما يبين مدى التفوق العلمي والفقهي الذي حاز عليه علماء الجبل، وليس بمستغرب إذا علمنا أن كل قرية في الجبل كانت لا تحتاج إلى قرية أخرى مجاورة لها في مجال الفتوى نظرا لتوفر تلك المدن والقرى على عدد من العلماء الذين برزوا في علوم الدين وعلومالكلام.
وكان لجبل نفوسة دور بارز في عهد الإمام أبي اليقظان الذي خاض سبع سنوات من الحروب ضد خصومه من القبائل الأخرى، ولم يتمكن من حسم الأمر لصالحه إلا بعد أن هب جبل نفوسة لنجدته وإنهاء الصراع في تيهرت بشكل سلمي على إثر ما قامت به نفوسة الجبل من مصالحات وتسويات أفضت في نهاية الأمر إلى استقرار الأوضاع.
رغم أنها قدمت بجيش ضخم إلى تيهرت، حسب المصادر الإباضية ذاتها، وبتعبير أوضح فإن دور الجبل في قيام الدولة الرستمية كان أساسيا ومؤثرا، وبفضله استطاعت الاستمرار ومقاومة كل محاولة لإجهاضها والقضاء عليها.
ومن جانب آخر يظهر هذا البحث أن جبل نفوسة حمل لواء المعارضة في وجه الدولة الرستمية عندما تخلى أئمتها عن الأهداف والمبادئ التي نادى بها الخوارج ومنهم الإباضية وقاتلوا من أجلها الدولة العباسية وولاتها في إقليم طرابلس وإفريقية، ومن جملة هذه المبادئ مبدأ الشورى والاختيار في الحكم مع رفض النظام الوراثي الذي انتهجه العباسيون.