نفوسة وعلاقته بالرستمية
الجزء ١ · صفحة ٥١وفي رواية لمقرين البغطوري عن سيرة الشيخ أبي مرداس يفهم منها أن الخروج في موسم الربيع من المدينة إلى البادية يتم بشكل مؤقت، حيث تخلو المدينة من معظم سكانها؛ وذلك لالتحاق السكان بمواشيهم في بطون الأودية طوال فترة الربيع، وحتى المنازل التي تبنى أثناء عملية الانتجاع تكون بشكل مؤقت على هيئة أقبية (جمع قبو) أو خيام من الشعر وخصوصا من سعف النخيل، وفي ذلك قال مقرين: "… وطلع ذات مرة (يعني أبا مرداس) على الجبل فوق منزله فنظر إلى بنيان كثير حدث في المنازل فقال لهم: متى حدث هذا البنيان، وذلك من قلة التفاته وكثرة أدبه، وإنما التفت في ذلك الوقت لأنه لم يكن في المنزل أحد قد خرجوا في الخصوص إلى الربيع"(1).
إن هذا الانتجاع ظاهرة اجتماعية تعكس مدى العلاقة بين المدينة والبادية وما فيها من التعاون والتكامل، كما أن سكان المدينة قد يصبحون أهل البادية في فترة محدودة مثل موسم الحرث والحصاد وموسم الخروج في فصل الربيع، أي أن حياة السكان منقسمة بين البادية والمدينة، خصوصا إذا علمنا أن غالبية أفراد المجتمع كانت تعتمد على تربية الحيوانات المختلفة، فهم بحاجة دائمة لإيجاد علاقة وطيدة مع البادية ومواردها الطبيعية من الماء والكلأ. إذا ظاهرة الانتجاع نجدها تتكرر في الجبل بل نجد صداها في هذا المجتمع بصفة عامة، مما يؤكد على أن المجتمع الرستمي يغلب عليه الطابع البدوي؛ وهو التنقل وعدم الاستقرار في معظم أرجائه.
يتضح من التحليل السابق أن جبل نفوسة كان يتوفر على موارد اقتصادية مهمة وعلى ثروة بشرية نشطة، استغلت تلك الموارد لفائدتها، مما ساهم بدون شك في ازدياد ساكنته.
المبحث الثاني
الحرف والصناعات
الحرف والصناعات:
(1) مقرين البغطوري، مصدر سابق، ورقة 46.