كتاب البحر الفياض - الشيخ محمد بن سالم الرقيشي
الجزء ١ · صفحة ١٣البحر الفياض
22
البحر الفياض
23
ولايته على عبري
وفي هذه الفترة كانت صيحات الاستغاثة تتواصل إلى الإمام من كل أنحاء الظاهرة لإنتشار بعض الجرائم التي لم يكن لها وجود في وقت مضى مثل المظالم والقتل وقطع الطريق.
ولم تكن في ذلك الوقت للإمامة يد قاهرة على تلك المنطقة. وهنا بدأ الإمام الخليلي يفكر بإرسال من تكون فيه الكفاية، وهو يعرف الشخص القادر على القيام بهذه المهمة ولكنه كان بحاجة ماسة لإبقاء هذا الشيخ بجانبه، وهو الشيخ الرقيشي. ولكن لا بد للإمام أن ينصر الحق، ويستجيب للمظلوم، وهنا أرسل سنده الذي كان بجانبه أرسله واليا على منطقة الظاهرة، فقام الشيخ ملبيا لأمر الإمام. وعين هذا الشيخ في عام 1359 هجرية (1940 م) واليا وقاضيا على عبري
وأسندت إليه مسؤولية الظاهرة كاملة حتى حدود البريمي.
وكان الحمل ثقيلا، والمسؤولية عظيمة، والمهمة صعبة.
قضية السليف
رحمه الله
—
2
هنا بدأ الشيخ يواصل مهمته التي أوكل بها من قبل الإمام، وكان من طبيعته - لا تأخذه في الله لومة لائم لنصرة الحق وإزهاق الباطل مهما كانت الصعوبات. فقام بإبلاغ القبائل بمهمته التي جاء بها بكونه واليا من قبل الإمام، فجاءه شيوخ القبائل مذعنين إلا قبيلة واحدة من أهل السليف لم يطيعوا أمر الإمام. فقام الوالي بإبلاغ الإمام والنظر في قضاياهم، فأرجع الإمام الأمر إلى واليه بأن يقوم بنصيحتهم والانقياد للحق، لكنه لم يجد أذنا صاغية، وما زادهم نصحه
إلا استكبارا.
فرأى الشيخ أنه لا بد من قمع هذه الفئة وردّهم إلى الحق، فأمر الشيخ ولده إبراهيم ومعه مجموعة من العساكر، فقاموا بالهجوم على حصن السليف الذي يتحصن فيه بعض الفارين. فدارت بينهم اشتباكات محدودة، وهنا جاء الشيخ من مساندا لعساكره ومعه مجموعة من قبائل الظاهرة وقاموا باصلاح أهل هذه البلدة مرة بالترغيب والترهيب تارة أخرى حتى استقامت الأمور والحمد لله
حصن عبري
فقام الإمام بعد ذلك بإستدعاء أعيان هذه البلدة ليؤكد لهم إلتزام الطريق القويم ومن ثم قام في خطبة صلاة الجمعة ليكرر ما حكم به على رؤوس الملأ وقال: أيها المسلمون إن ما قام به الشيخ الرقيشي صادر عن أمري. وبذلك اقتنع الجميع، وكفى
الله المؤمنين القتال الذي قتل أمه
ومن ضمن قضايا الظاهرة
رجل سولت له نفسه قتل أمه، فقام بقتلها شر قتلة يكاد لا يتجرأ عليها إنسان لقتل حيوان أباح الله قتله، حيث أن الرجل اصطحب أمه إلى أحد الجبال لجمع العشب للحيوانات، هنالك قام هذا الرجل فهجم على أمه وشد عنقها بحبل، ثم ربطه على رجليها وهي تستغيثه: لم تفعل بي هكذا يا ولدي؟ وأنا لم أفعل فيك شيئا؟ ولكنه لم يلتفت إليها وتركها هكذا مشدودة بالحبال رجلاها إلى عنقها، حتى تيبست وفارقت الحياة.
ثم جاء في اليوم الثاني يصيح في البلاد فقدت أمي منذ الصباح الباكر ولم تعد وقد خرجت تبحث عن الحشيش. فراح الرجل المذكور ومعه أهل البلد يبحثون في الجبال التي كان الناس يعتادونها في جلب العشب
ويا سبحان الله قادهم إلى المكان الذي ترك فيه أمه مشدودة بالحبال، فوجدوها متيبسة قد فارقت الحياة، فقاموا فورا بإبلاغ الوالي وهو الشيخ الرقيشي، وذهب بنفسه إلى مكان الجريمة فقام بمعاينة الحادثة. دفنت المرأة وهي هكذا متيبسة، لأن رجليها قد تيبست على عنقها. وما أن انتهى الدفن حتى أمر الشيخ بإلقاء القبض على ابنها، وأدخل الحصن، وقبل أن يدخل السجن حاول الشيخ جاهدا أن يسأل الرجل: ماذا حدث لأمه؟ وكيف حدث لها ذلك؟ وهل يتهم أحدا من أهل البلد؟ وهو يجيب دائما: لا أدري ماذا حدث لأمي. فأمر الشيخ بإدخاله السجن، وشد يديه بالحبل إلى خلفه، وبقي الرجل هكذا أكثر من سبعة أيام. وكان الشيخ يمر عليه كل يوم بعد انتهاء البرزة من الحصن ويدخل السجن. وذات يوم رأى العساكر يسألون الرجل: لماذا قتلت أمك؟ وكيف قتلتها؟ فنهرهم الشيخ وقال لهم: اتركوه وشأنه فتلك أمه وهو أولى بها. فما أن السجين هذا الكلام لم تمر ساعات حتى استدعى الشيخ واعترف له بما فعله بأمه
سمع
،