مجموع البيان لحسن مكارم الأخلاق على مر الزمان لمبارك الشكيلي الغافري
الجزء ١ · صفحة ٢٧٠مَجْمُوع البَيَانِ لحسنِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ
إذا عمدت إلى إرسال رسول إلى صديق تستنصحه، أو عدو تستصلحه فاختبر فهمه وفطنته، واستبن أدبه وأمانته، وأَلْزِمه الوقار والعفة، وجَنّبه التكبر والخفة، وحذره لسانه أن يزيله عن جميل الصدق وسبيل الحق، وليلفظ بلفظ جودِ وافضل وإكرام، وينطق بنطق يفوه بعقل وإنعام؛ فإنَّ كذب الرسول يفوت المراد، ويولد الفساد، ويبطل الحزم، وينقص العزم، واعلم أنك موزون بعقله، وموسوم بفعله؛ فإن مآثرهم ومناقبهم منسوبة إليك. أحسن من مناقبك ومآثرك؛ لأن يستدل على مقدار معرفتك بمقدار الرجال، ويوقف على كيفية تصرفك بتصاريف الأعمال، وأحسن الاختيار لهم، وأكثر الاستظهار عليهم، واعلم أنهم أساس الملك وخواصه (1)، فلا تغفل مراعاة أحوالهم، ولا تهمل مكافأة أقوالهم، فأول المحسن بما يستحقه بحسن الوفاء، وأول المسيء بما يستوجبه من سوء الجزاء؛ لينصرفوا بالأمانة، ويتعففوا عن الخيانة.
(2)
وتفقد أمر عدوك قبل أن يمتد باعه، ويطول ذراعه، وتحتد
(3)
(4)
شكيمته، وتشتد شوكته، فعاجله قبل أن يتمكن داؤه، ويعجز
(5)
دواؤه، وأَرْفِ الفتق قبل أن يتمكن فتقه، ويتسع طريقه. كل داء لا يداوى قبل أن يعضل، ولا يدبر قبل أن يستفحل، فإن أُخّر عجز عن دوائه، وصعب
تداركه وتلافيه، ولا تشغل نفسك بما بعد عنك حتى تفرغ بصلاح ما قرب
منك.
في الأصل: أساس الملك وخواص الملك.
الباع والبوع::: مسافة ما بين الكفين إذا بسطتهما (اللسان ب وع) فلان شديد الشكيمة: أي شديد النفس (جمهرة اللغة ش ك م)
الشوكة: السلاح (اللسان ش و ك)
أرف الفتق: بمعنى أصلحه، فالرفاء: الاتفاق وحسن الاجتماع، ومنه أخذ "رف الثوب" لأنه يرفا فيضم بعضه إلى بعض ويلاءم بينه (تهذيب اللغة ر ف ا)
271
(1)
(2)
(3)
(4)
(5)