من أسرار مدرسة الصيام: تأملات في أحاديث الصيام عبد الله بن سعيد القنوبي أبو البراء

محمد بن سعيد القنوبي - من أسرار مدرسة الصيام

الجزء ١ · صفحة ٢٢

وخفاياه، ومراقبته له، ولأجل هذا المعنى اختص الله جل وعلا عبادة الصوم من بين سائر العبادات، ولم يجعل لها جزاء محددا، قال صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به،

يدع شهوته وطعامه من أجلي)، فقوله جل وعلا) من أجلي) تأكيد لهذا المعنى العظيم

والصوم يربي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة، وانتظار ما عند الله عز وجل، حيث يتخلى الصائم عن بعض الأمور الدنيوية، وشهوات النفس ومحبوباتها، تطلعا إلى ما عند الله عز وجل من الأجر والثواب، وفي ذلك توطين للقلب على الإيمان بالآخرة، والتعلق بها، والترفع عن عاجل الملاذ الدنيوية، التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض والإخلاد إليها.

والصوم يربي على الصبر وضبط النفس، وقوة الإرادة والعزيمة، فإن الصبر لا يتجلى في شيء من العبادات كما يتجلى في الصوم، فإن المقصود من الصوم إنما هو حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، ولهذا كان نصف الصبر، والله تعالى يقول: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾

وفي الصوم كذلك تربية للمجتمع، وتنمية للشعور بالوحدة والتكافل بين المسلمين، فالصائم حين يرى الناس من حوله صياما كلهم، فإنه يشعر بالترابط والتلاحم مع هذا المجتمع، فالكل صائم، والكل يعاني ألم الجوع. والكل يمسك ويفطر دون تفريق أو امتياز، لا يستثنى من ذلك أحد لغناه أو جاهه أو منصبه، فأكرمهم عند الله أتقاهم، وأفضلهم أزكاهم

والصوم يضيق مجاري الدم، ويخمد نيران الشهوات، ويقلل فرص إغواء الشيطان لابن آدم فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (الصوم جنة)، أي وقاية يتقي به العبد الشهوات والمعاصي، ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم من اشتدت عليه شهوة النكاح مع عدم قدرته عليه بالصيام، وجعله وجاء لهذه الشهوة وقاطعا لها.

ومن معاني الصوم أن يتذكر الصائم بصومه الجائعين والمحتاجين، فيتألم لآلامهم، ويشعر بمعاناتهم، فالذي لا يحس الجوع والعطش قد لا يشعر بمعاناة غيره من أهل الفقر والحاجة، وإذا كان أحدنا يجد ما يفطر عليه من الطعام والشراب، فغيرنا قد لا يجد شيئا من

ذلك

6