مذكرات أميرة عربية سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان

مذكرات أميرة عربية لسالمة بنت سعيد بن سلطان- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ٢٩٥

العزيز بعد غياب دام تسعة عشر عاما مليئة بالأوصاب والهموم وبلوعة الذكرى وحرقة الشوق والحنين. قضيت أكثر ايامها ولياليها الباردة أجالس موقد النار في بيتي

فمع أني اصبحت مواطنة المانية من سكان هذا الشمال القارس البرد، ينوء كاهلي بالواجبات العديدة المتباينة التي تقوم بها ربات البيوت الالمانيات، الا انني خلال هذه المدة كلها كنت أعيش بأفكاري ومشاعري في الجنوب … بعيدا بعيدا جدا عن المكان الذي اسكن وأعيش فيه، فما من تسلية أو تزجية فراغ كانت افضل لي من الانكباب على قراءة كتاب يصف الجنوب أو يبحث عن احواله. ولهذا فلا عجب اذا ما ملك منظر الاسكندرية علي مشاعري واخرجني من طورى فوقفت اشهد مذهولة مسرورة ضجة الميناء وجلبته وكأنني في حلم لذيذ اخشى أن ينتهي. وحين مررنا في دائرة الجمرك طلبوا الينا ابراز هوياتنا، ولكني قررت ان لا اكشف عن هويتي الحقيقية ما وسعني ذلك، فاستعرت من احدى رفيقات السفر

هويتها وابرزتها للموظف المسؤول، فاكتفى بها وسط دهشتي واستغرابي وما ان خرجنا من دائرة الجمارك حتى اطبق علينا جمع من الناس غفير بحصار شديد يزهق الانفاس وكدنا ان نضيع وسط جلبتهم وضوضائهم، فقد احاط بنا عشرات العشرات من الرجال والفتيان يتصايحون ويتنابذون ويتخاصمون ويتشاتمون فيما بينهم وهم يعرضون علينا خدماتهم بالحاح يبلغ حد الاكراه.

ولم نستطع فك هذا الحصار المطبق وشق الطريق لانفسنا الا بمساعدة البوليس

كما استطعنا بمساعدته وبشق الانفس الحصول على عربة تقلنا إلى الاوتيل. ولم يخلو سيرتا في العربة من مفاجئات وفكاهات. ففي كل دقيقة واخرى، يقفز الينا احد الرجال عارضا خدماته علينا دليلا أو ترجمانا، ومنذرا بالويلات والمتاعب التي يلقاها من لا يتكلم العربية في البلاد، ولكني ما كنت ارد عليهم باللغة العربية حتى يولوا الادبار مذهولين. وقد نزلنا في الاسكندرية في اوتيل بالغ الوساخة غالي للثمن وأمضينا فيها يومين

-~-