مذكرات أميرة عربية لسالمة بنت سعيد بن سلطان- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٥٥أما أمي فقد كانت شركسية بالولادة، عاشت طفولتها مع ابويها واختها وأخيها عيشة هادئة آمنة في احدى مزارع أبيها، لكن حبل الأمن ما لبث أن اختل ونشبت الحرب فجأة وامتلأ المكان بأفواج المغيرين فالتجأت عائلتها الصغيرة إلى مكان تحت الأرض كما كانت تصفه أمي وهي تعني على الأرجح القبو أو السرداب ولم يكونا معروفين في زنجبار يومئذ لكن الغزاة المغيرين اكتشفوا المخبأ واقتحموه وقتلوا الوالدين وتناهبوا الأطفال الثلاثة الصغار وحملوهم على ظهور خيولها. ولم تسمع أمي منذ ذلك الحين شيئاً عن اختها وأخيها، ولم تكن كثيرة الكلام عنهم. والواقع أنها لا تذكر من الحادث وما قبله الا أطيافا شاحبة فقد كانت آنئذ طفلة صغيرة في حدود الثالثة أو الرابعة من العمر، ولكنها اذا ما ذكرت أهلها اكتسب صوتها نبرة شجو وحنين تكشف للسامع توا عما يضطرم
في حنايا ضلوعها من حزن عميق وآسى دفين لم يبددهما مر السنين ولا بد أن أمي دخلت بيت ابي وهي في سن صغيرة جدا لا تتجاوز السابعة فقد خلعت اولى أسنانها اللبنية في بيته، وفيه نشأت وترعرعت رفيقة لاثنتين من اخواتي كن يقاربنها عمرا ومثلهن ومعهن تعلمت القراءة والكتابة وهو أمر ذو بال في مجتمعنا ظل في مستقبل ايامها يميزها عن نظيراتها من سراري أبي اللواتي كن يدخلن عصمته بعد سن السادسة أو الثامنة عشرة حيث يكن قد فقدن الطموح للتعلم أو يأنفن من مشاركة الاطفال بالجلوس على مقاعد الدراسة.
ولم تكن امي جميلة ولكنها كانت طويلة القامة قوية بنيان الجسم، وكانت بيضاء البشرة ذات عينين سوداوين جميلتين وشعر أسود ناعم طويل ينسدل حتى ركبتيها. وكانت رقيقة الطبع حلوة الخلق ذات نفس سمحة طيبة ولهذا كانت ظاهرة البساطة والتواضع منظرا ومخبرا. ولم يكن يستهويها في الحياة شيء مثل عمل الخير وبذل العون للسائل والمحتاج. وكثيراً ما كانت تزور المرضى من سكان قصرنا بل وكانت تحرص على تمريض البعض منهم بنفسها ان اقتضى الحال ذلك. وما زلت أذكر صورتها وهي تنتقل من مريض إلى آخر وفي يدها كتاب الله تقرأ منه عليهم ما يشجعهم أو يواسيهم أو يسليهم وتدس لهم ما تيسر من الهدايا والعطاء لتدخل على قلوبهم البهجة والسرور.
-11 -