مذكرات أميرة عربية لسالمة بنت سعيد بن سلطان- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٥٦سكان
وقد أكسبها طبعها الرضي وسجيتها السمحة صداقات الكثيرين من بيت الموتنى رجالا ونساء وهو أمر يندر حدوثه لامرأة في قصور الحريم العربية.
وكانت امي ربة بيت ماهرة دقيقة في اداء واجباتها حسنة الذوق والترتيب محبة للنظام وكانت لها مهارة ملحوظة في أعمال الابرة والتطريز، ولكن لم تكن لها هوايات ثقافية متميزة غير الدأب المتواصل على قراءة القرآن وهو كتابنا السماوي المقدس. وفي الحق اني لم أشهد طيلة حياتي امرأة أكثر منها تقى وورعا وايمانا بالله وطاعة له. واني لاذكر الآن احدى الليالي المقمرة شديدة الريح وقد شبت فيها نار قوية في جناح الاصطبلات، وكان أبي وكبار اخوتي غائبين عنا فارتبك الخدم وحاروا في أمر هم فاشتد لهيب النار وهددت بالامتداد إلى القصر وبلغ الذعر بأحدهم ان انذرنا خطأ بأن النار قد علقت في القصر فعلا، وطلب الينا الخروج منه طلبا للنجاة فلم يكن من أمي الا أن حملت كتاب الله في يمناها وحملتني في يسراها وخرجت من ابهاء القصر غير حافلة بما تركته خلفها من نفائس المال
والمتاع أما بالنسبة لي، فقد كانت أبدا ودوما الأم الطيبة المحبة الحنون، وكنت وحيدتها وكل أملها في الحياة بعد ان فقدت طفلتها الأولى قبل مولدي بقليل،
وان لم يمنعها هذا من انزال العقاب علي حين يبدر مني ما يستحق العقاب …
وكان لأمي مقام ملحوظ عند ابي السلطان. فكان لا يرفض لها طلبا وان كانت هي من جانبها وبطبيعتها قليلة الطلبات لنفسها وان تقدمت اليه بشيء منها فليس لنفسها وانما مما يكلفها به الآخرون. وكان ابي يقدر لها هذه الميزة. وكان من مظاهر تقدير السلطان لها نهوضه اليها من مقعده وتقدمه اليها خطوة او اثنتين وهو امتياز ذو دلالة كبيرة على الحب والتقدير لا يحظى به الا البعض القليل من زوجاته الكثيرات
و على قدر ما أتذكر. فلم يكن لابي السلطان طيلة حياته أو منذ مولدي على الأقل الا زوحة شرعية واحدة. اما الاخريات وقد ترك منهن عند وفاته خمسا
62