الخلوة الإلكترونية وسام بنت عمر ثمينة

مقال الخلوة الالكترونية

الجزء ١ · صفحة ٩

منه ولتتمكن الباحثة من الأخذ بأحد القولين، أو ربما اتخاذ رأي ثالث قد يكون في المسألة، ارتأت دراسة العلاقة بين المحادثة الالكترونية الخاصة والخلوة المحرمة، وذلك من جانبين استنباط مدى انطباق تعريف الخلوة لدى الفقهاء بالمحادثة الالكترونية الخاصة بين الجنسين الأجنبيين عن بعضهما، وتوفر شروطها فيها، وكذا البحث عن مدى توفر علة تحريم الخلوة المحرمة في المحادثة الالكترونية الخاصة بين رجل وأجنبية عنه، للوصول إلى مدى مصداقية الاعتداد بالحضور الجسدي في قول الفريق الأول من المعاصرين، ومدى

مصداقية الأخذ بعلة الافتتان في القول الثاني منهم، كل هذا فيما يأتي:

أولا: مدى انطباق تعريف الخلوة لدى الفقهاء بالمحادثة الالكترونية الخاصة بين الجنسين الأجنبيين عن بعضهما

تعريف الخلوة المحرمة هو: " انفراد رجل مع امرأة أجنبية عنه في مكان يأمنان فيه من اطلاع أحد عليهما". الانفراد: أثناء المحادثة الالكترونية الخاصة ينفرد الرجل بامرأة أجنبية عنه، بلا ثالث أحدهما. مع يأمنان من اطلاع أحد عليهما: أي أنه يحصل لهما الاطمئنان والأمن الذي يُخوّلهما لفعل ما يشاءان بلا حسيب ولا رقيب-بالطبع يُقصد الرقيب البشري، فالله لا يخفى عليه شيء وعدم الرّقابة هو السّمة البارزة في المحادثة الالكترونية، وكذلك السّرية التّامة؛ إذ لا يطّلع أحد على دردشتهما، كما يمكنهما إزالة ما قاما به بضغطة زر فلا يبقى دليل لإدانتهما. لذا فاطمئنانهما أثناء المحادثة الالكترونية الخاصة أكثر من الأمن الذي يحصلان عليه وهما في مكان جغرافي بحضورهما البدني. البلوغ والإرب هما أمران يتوفران بلا ندرة، فغالبية مستخدمي خدمة المحادثة الالكترونية من المراهقين والشباب، أي من سن 14 سنة فما فوق، والبيئة الافتراضية تحوي كل ما من شأنه تأجيج الشهوات والميول الغريزية في نفوس الشباب والمراهقين، بما تعرضه من صور ماجنة، ومشاهد إباحية … إلخ 2. أما إن كانوا أقل

من ذلك، فقد لا يكونون بالغين، ومن باب أولى مكلفين، لذا لا معنى للحديث عن الخلوة في حقهم. في مكان: وهو الوجود البدني للمختلي والمختلى بها، وهو الرّقعة الجغرافية التي يتم فيها ذاك القاء الانفرادي بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه سواء أكان غرفة، أو بيتا أو مكتبا أو غيرها، هذا في تعريف الفقهاء القدامى، والذي بسببه وقع العديد من المتأخرين في حرج عدّ المحادثة الالكترونية الخاصة، خلوة محرمة، فاللقاء والتواصل يتم في غرف خاصة افتراضية، ولو كانت تلك المحادثة مرئية بحيث يرى كل طرف الشخص الذي يتواصل معه تماما كما في التواصل وجها لوجه، إلا أن ذلك ليس على أية حال نفسه الحضور البدني الذي يؤدّي إلى المفسدة والتي سدا للذرائع الموصلة إليها؛ حُرّمت الخلوة. لكن هذا لا ينفي ما يقع من المحظورات المنهي عنها شرعا في دهاليز تلك الغرف، كالنظر الحرام، والخضوع بالقول والتي لأجلها حكم عليها بعضهم بالحرمة. ولكن هل الحضور البدني حقا قيد في الاعتداد بحرمة الخلوة من عدمه؟

الجواب هو أن الحضور المكاني الذي قيد الفقهاء به تعريف الخلوة المنهي عنها شرعا، بقولهم "في مكان"، قد لا يكون مقصودا بذاته، فربما يرجع إلى عدم وجود انفراد آخر غير ذاك في زمانهم، فحملوا لفظة "انفراد" الواردة في الحديث النبوي على الوجود البدني، نظرا لأن الوقوع في المحظور لا يقع إلا بذلك، ففكرة تحادث شخصين أحدهما في غرب الأرض والآخر في شرقها، كانت ضربا من ضروب الخيال آنذاك، فضلا عن رؤية أحدهما للآخر رؤية حية، ولربما إذا ما عُرضت عليهم صورة المحادثة الالكترونية الخاصة في هذا الوقت، لربما سيحكمون أنها خلوة محرمة شرعا، خاصة إذا لوحظ من جهة أخرى خروج هؤلاء الفقهاء المتقدمين أنفسهم عن قيود ألفاظ الحديث في عدة مواطن منها: عدّهم لتواجد رجل مع أجنبيات والعكس؛ خلوة، اختلافهم في الخلوة بالعجوز، رغم عموم لفظ "امرأة" الوارد في الحديث، وكذا إدراجهم للانفراد بالأمرد، وانفراد رجلين، أو امرأتين من الخلوة إن وُجدت الفتنة، مع أن الحديث صرح بالنهي عن انفراد رجل بامرأة أجنبية عنه فقط، ما يدل على أن مطمح نظرهم وتركيزهم، كان على سد كل الذرائع المفضية إلى الحرام، فاعتدوا بالمعنى دون الالتفات إلى ظاهر الحديث وما يشير إليه، فاستنبطوا بذلك الحالات التي تأخذ حكم الخلوة المحرمة رغم عدم الإشارة

1 - العضياني، الخلوة المحرّمة وعقوبتها في الفقه الإسلامي، 19. 2 - هذا لا يعني أنّ كل من يستخدم المحادثة الالكترونية الخاصة مع الجنس الآخر، تدفعه لذلك شهوة، ولكن افتراض الحالة الطبيعية الفطرية التي خلق الله عليها الذكر والأنثى (الأسوياء) (منهم) تستلزم وجود الميل الغريزي بينهما وهو ما يتم إثباته في هذه النقطة. 3 - وهو احتمالية وجود علاقة جسدية بينهما خارج إطار الزواج.

9