قضية عمل المرأة: تحليل مقاصدي للمآلات الاجتماعية والاقتصادية أبو نصر بن محمد بن عمر شخار

مقال قضية عمل المرأة. شخار أبو نصر

الجزء ١ · صفحة ١٦

أهلية التملك إلا بقانون 18 فيفري 1938 م والذي أعطى للمرأة الحق المدني الكامل في التعاقد، وأبقى للرجل حق

73.

الاعتراض إن تعاطت المرأة حرفة غير لائقة، وقد كانت السلطة الذكورية هي المبرر لاستمرار تلك القوانين في أوروبا إلى حدود القرن العشرين، فتلك القوانين تعتبر أن أي شيء تملكه المرأة يصبح ملكية للزوج بعد زواجها، وهذا للحفاظ على كون الرجل هو سيد البيت، وليس ذلك غريبا في بيئة من الشراسة الفردانية، الرجل فيها مستغل من الرأسمالي في المصنع والمرأة مستغلة في البيت كما يقول الناقد الإنجليزي برنارد شو 74، والأمر كله مبني على عقلية الصراع لا على التراحم والمودة.

إن تجارب مضطربةً مثل هذه حتما ستنتج ردة فعل متطرفة لتصحيح الوضع، فنحن نجد نموذجا من هذه التقلبات البشرية الحادة غير المسددة بنور الوحى في دولة السويد، فرغم أن الزوجة في السويد حتى سنة 1920 م لم تكن لها أية أهلية

75

للتحكم في ممتلكاتها دون إذن الزوج 7 - وهو أمر قننه الإسلام قبل 15 قرنا - إلا أنها قفزت قفزة متطرفة إلى الجانب العكسي القائم على الثورة على الأسرة والزوج، وهي الآن تراجع سياساتها بعد المآل الخطير لتفكك الأسرة فيها كما يظهر من الضعف المستمر لدعم سياسات الرفاه الاجتماعي الشامل فالحكمة ليست ببريق التجارب القصيرة، وإنما في تقنين حكيم يضمن دوام الحياة الطيبة وعدالتها ووسطيتها.

ثانيا: التحليل المقاصدي لقضية "عمل المرأة".

في تحليلنا السابق للدوافع والمآلات والخلفيات الفكرية نجد أن مدار الأمر كله في مدى التناقض والتكامل بين الفرد والمجتمع، والرجل والمرأة والرورح، والمادة والحرية والمسؤولية، وهذا يستدعي توسّل مصفاة أخلاقية ترتب الأولويات للوصول إلى وضع من الحياة الطيبة والانسجام مع الفطرة، يسوده توازن بين الروح والمادة وبين الحقوق والمسؤوليات. وهنا نجد أنفسنا أمام إعجاز تشريعي للشريعة الإسلامية، قائم على إحاطة علم الخالق بالمخلوق، لا يزال يتجلى نورها أمام إخفاقات أهواء الإنسان المتوالية، التي ما إن تلاحق الكفاءة والإبداع المادي حتى تضيّع العدالة والروح والسعادة النفسية والاجتماعية، (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الجاثية: 18].

ولقد اجتهد الفقهاء لاستنباط أصول تبيّن مقاصد الشريعة الكبرى، مجتهدين في وضع ترتيب يجلي الأولويات ويرفع التعارض والتناقض والاضطراب، ويضمن سلامة المآلات. فحسب ترتيب المقاصد الكبرى نجد أن الرفاه المادي يأتي في آخر قائمة ضرورات الحياة الطيبة وحاجاتها، ولا يمكنه أن يتقدم الحياة الروحية والاستقرار النفسي والتراحم واللطف والإحسان بالآخرين (مقصد حفظ منظومة الدين والأخلاق)، ولا أن يتجاوز كرامة حياة الإنسان وانسجامها مع الفطرة السوية مقصد حفظ النفس، ولا أن يسبق حياة الأسرة وتآلفها في مودة ورحمة ودوام الإنسان جيلا بعد جيل (مقصد

73

صبحي

محمصاني، النظرية العامة للموجبات والعقود (بيروت: دار العلم للملايين، ط 3، 1983 م)، 382/ 2.

74 Bernard Shaw. The Intelligent Woman's Guide، 196 - 197.

75 Morgan. Family Policy، 21.

16