مقال قضية عمل المرأة. شخار أبو نصر
الجزء ١ · صفحة ١٧حفظ النسل)، ولا أن يكون أولى من فكر حرّ سوي غير خاضع لمساومة المادة ولا لانتهاك السوق وآلة الدعاية والترويج
مقصد حفظ العقل). وفي خضم إيقاع هذه التراتبية الربانية وهيمنة المنظومة الإيمانية التي تؤمن بأن هذه الحياة مجرد قنطرة عبور تمتحن فيها طيبة الأنفس، وقدرتها على العطاء والإيثار والعيش في التآلف، وبعدها عن عقيدة الطغيان والصراع- يبدو جليا مدلول وصف السلام اللصيق دلالة ومدلولا بالإسلام على النقيض من الأيدلوجية الصراعية في المنظومات المادية العلمانية، والتي أعطت لمسائل المرأة بعدا تنافسيا بعيدا عن البحث عن العدل ضمن انسجام أسري واجتماعي.
وانسجاما مع مقاصد الشريعة واستحضارا للمآلات السيئة المذكورة في المباحث السالفة؛ فإنه ينبغي أن يكون تناول قضية "عمل "المرأة من خلال قضية الأسرة وانسجامها واستقرارها مع رد الاعتبار للوظيفة الرعائية للمرأة أما وزوجة، والإقرار بالاختلاف الفطري بين الجنسين دون معاندة عدمية للفطرة والاهتمام بالبعد الاجتماعي بعيدا عن الفردانية المقيتة، وتقديم أولوية الإنسان والروح والأخلاق على الطبيعة والمادة والسوق، والبحث عن العدل مع اختلاف الأدوار عوضا عن الملاحقة العبثية للمساواة لمختلفين فطريا وبيولوجيا ونفسيًا.
و"عمل المرأة" في التخريج الفقهي يُصنف كما أسلفنا- ضمن المباح الذي لم يرد نص يحرمه، وكما هو مقرر في مباحث الأصول فإن الفرع الجزئي المباح والمتضمن لمصلحة جزئية إن تُؤسِّل به إلى محرم أو خرم لمقصد شرعي، أو آل إلى مفسدة كلية فإن تلك المصلحة الجزئية لا يُلتفت إليها في مقابل تلك المفسدة الكلية، حفاظا على سلامة بنية التشريع وتحقيقه المقاصده الاجتماعية والاقتصادية 76، لذا كان لزاما على المجتهد استيعاب الروح المقاصدية للأحكام، واستحضار مآلات الأفعال عند نظره في المسائل المستجدة، لتكون اجتهاداته دوما وفقا لمقاصد الشريعة الغراء 77.
والمرأة في الإسلام لا تختلف عموما عن الرجل في الأعمال التي يمكن القيام بها بأجر أو دون أجر، ما اتسقت مع المقاصد الكلية للإسلام في الأسرة والمجتمع، وانضبطت بالضوابط الشرعية التي تحفظ للمرأة كرامتها وعزتها، من حشمة وعدم اختلاط فاضح وبُعدٍ عن الخلوة المريبة، ولا يزال علماء الإسلام المعاصرين حريصين على الدعوة إلى احترام أنوثة المرأة وأمومتها في الوظائف التي تشغلها وقضوا بأن الأمومة والأنوثة لا ينبغي تعريضها للمشاق المعنتة … فالمجالات التي تحسنها المرأة وتتناسب معها كثيرة ومتعددة، كميدان التعليم والطب والتمريض والرعاية الاجتماعية والكتابة "والنشر) مع ما وفره الاقتصاد الرقمي المعاصر من أعمال يمكن متابعتها من البيت كالتجارة الإلكترونية وخدمات التصميم والبرمجة … الخ. ولأن المقاصد الحاكمة للموضوع والمآلات الفاسدة الكلية التي يمكن أن تنتج عن ظاهرة عمل المرأة هي أمور نسبية على المستوى التجزيئي، تتعلق بالوضع الاجتماعي للمرأة ووعيها الفكري وطبيعة العمل وبالمستوى الاقتصادي للدولة
76
77
6
7811
عبد الرحمن بن معمر السنوسي، اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات (الدمام): دار ابن الجوزي، ط 1، 1424 هـ)، ص 272. الشاطبي، الموافقات، ج 5، ص 60، 187؛ فتحي الدريني، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 2، 1397 هـ - 1977)، ص 122. السنوسي، اعتبار المآلات، ص 50 وما بعدها.
78
محمد الغزالي، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة (القاهدرة: دار الشروق، ط 7، 2002)، ص 39.
17