وداعا أيها الحكيم أحمد بيوض
الجزء ١ · صفحة ٣ولا أزعم أني بهذا الجهاد وتفاصيله عليم فأهل مكة أدرى بشعابها، ولكن يقيني أن له في كل قلب بصمة من كلمة طيبة، ومعاملة حسنة، وأياديه البيضاء لا يحصيها إلا من عد الأنفاس، وأحصى كل شيء عددا.
ولكن الكلمة الجامعة أنه كان كلمة جامعة، وقلعة جامعة، ورابطة جامعة. وكأنه آمن بالجامعة التي علمته ووضعت قدميه في معراج الريادة، وفتحت عقله على أسباب السعادة، فجعلها شعارا له في سعيه الدؤوب، وجسدها سلوكا، وسيرة مشرقة كالشمس ليس لها غروب واليوم شاءت الأقدار أن يختطفه هذا الوباء، دون سابق إنذار، والأمة بأمس الحاجة إلى رأيه ومشورته وإلى خبرته ليعالج أدواءها الفكرية والحضارية، فضلا عن عللها المادية والخلقية. ولكن شوقه إلى الأحبة الراحلين برح به فناداه ولم يستشر أهله، كما كان حاله في محطات حياته المتوالية فلبي النداء دون تردد أو اعتذار، إذ علمته مهنة الطب أن الحياة قاعة انتظار والموعد الحق رضوان المنعم الغفار، فسعى إليه في شوق عظيم، تحدوه روحه في معراجها إلى دار النعيم. أجل، هكذا قضى الله أن يختارك بهذا الداء، ولم يشفع لك أنك طبيب تصف للناس الدواء، ولله في كل أجل حكمة وابتلاء، ولئن ودّعنا فيك الرجل، فما ودعنا فيك المثل، مثل خالد تحفظه الأجيال، وترفعه الألسن خير دعاء، بما علمتها من معاني التضحية والصدق والوفاء.
ولئن اقتضى الواجب أداء التعازي لأهله، فكلنا لك أهل وأهل للعزاء. ولكنه الإيمان بالقضاء يجمّل الصبر حين يشتد البلاء. فاهنا بما قدمت يداك دكتورنا الحكيم، وانعم بجوار أعلام هذه الأمة، ومن سبقوا من الصحابة والأئمة المهتدين وسلام عليك إلى يوم الدين.
يَايَّها النَّفْسُ الْمُطْمَينَةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةٌ) فَادْخُلِي فِي عِبَدِي وَادْخُلِي جَنَّنِي * الفجر: 27 -
مصطفى بن صالح باجو
غرداية، الأحد 7 ذي القعدة 1441 هـ 28 جوان 2020 م