ندوة لمحات تاريخية بين عمان وفرنسا
الجزء ١ · صفحة ١٣وقد ظلت عُمان بحكم الظروف بعيدة عن خطوط التجارة الفرنسية لأنها من ناحية كانت تقع خارج الطرق المباشرة التي تربط بين رأس الرجاء الصالح والمراكز الفرنسية بالمنطقة، ومن ناحية أخرى، لم تكن فرنسا تسعى لمنافسة السيطرة القوية لانجلترا في تلك المنطقة الإستراتيجية، مفتاح الإمبراطورية البريطانية المقبلة في الهند.
وإذا كانت عُمان بعيدة عن الطرق القارية الجيوستراتيجية، فقد كان يخترقها طريق حذر لكن مباشر يشكل محوراً ثقافياً ثرياً يمتد من الشمال إلى الجنوب. وفي شرق البلاد، وبينما كانت أوروبا لا تزال تنفض عنها غبار العصور الوسطى، كانت ينتشر بعمان العديد من البقاع الخلابة التي وصفها الرحالة القلائل الذين زاروها، بحماس منقطع النظير ولكن في محله. كانت تزخر بالأماكن الجميلة التي يدهش المرء لتصور وجودها في موقع لم تكن قد وصلت إليه بعد إكتشافات الإسكندر الأكبر ودونارك، قائد أسطوله. في هذا العالم البعيد، الذي كان كل شيء فيه عجيباً، تبوأ السندباد البحري مكانه الأسطوري إلى جوار الأب جون، القائد الذي لم يكن فاسكو دي
جاما قد عثر عليه بعد.
هناك، على مدخل مضيق هرمز، وعلى مقربة من مضيق باب المندب، عند محور تلاقي التقاليد والعلوم والأنشطة البحرية بالمحيط الهندي، كانت عمان تمثل نقطة عبور حتمية لطرق الملاحة البحرية والنهرية من البحر الأبيض المتوسط إلى الهند ثم الجزر الهندية والشرق الأقصى. وهذا يفسر لنا لماذا كان معظم كبار الرحالة الذين خاضوا مغامرة السفر للشرق قبل إكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، يتوقفون بصحار أو مسقط أو صلالة، حيث كانوا جميعاً يندهشون للعظمة المتناهية لعمان بين الصحراء والجبال والبحار وحاولوا جميعاً وصف تلك السواحل الآمنة التي تنقل المرء فجأة من البيئة الصخرية الجامدة المحيطة بهذا البلد إلى عذوبة وجمال الطبيعة والمياه بعمان. هنا تتوقف المساحة المخصصة للبشر الذين يعيشون فوق الأرض، ليبدأ العالم الخفي لرجال البحر لقد أجمعوا كلهم على الطابع الساحر لتلك الحدود الرائعة والذي يبرز أكثر من خلال أشعة الشمس التي تخص عُمان
بجانب كبير من وهجها.