ندوة لمحات تاريخية بين عمان وفرنسا
الجزء ١ · صفحة ٣٤وقد توفى جانييه في 24 ديسمبر 1918 م. بعد أن أعيته السنوات المتتالية التي أمضاها في هذا الجو القاسي وقد وصف معاون البحرية ماتودي جنازته وصفاً مؤثراً للغاية
«مع غياب أية وسيلة للنقل بمسقط استعنت بثمانية من الحمالين ألبستهم كالعادة دشداشة بيضاء جديدة. وكان هذا العدد كافياً لان المقبرة كانت على مسافة خمس دقائق من القنصلية التي قامت باعداد غرفة لوضع المتوفى بها. وقد غطيت التابوت بالعلم الوطني ووضعت فوقه القبعة الرسمية والسيف والنياشين التي كان قد حصل عليها الفقيد.
وكان حرس الشرف يتكون من ضباط الجيش والبحرية الانجليزية والجنود من البحارة والمشاة والسلطان وحاشيته الضخمة (جميع أفراد العائلة والأعيان، وكبار الشخصيات الانجليزية وموظفي القنصلية البريطانية وملحقياتها والجالية البرتغالية التي تولت مراسم الدفن الدينية بشكل مؤثر للغاية لاسيما لدى المواطنين المتدينين وأخيراً حشد من الاهالي من كافة المستويات الذين اصروا على أن يشيعوا الى المثوى الأخير هذا الشخص الذي يمثل بلداً حبيباً الى مسقط. حضر الجنازة معظم الاهالي لان المرحوم السيد جانييه كان دمث الخلق واستطاع خلال اقامته الطويلة بمسقط وبفضل درايته التامة بأمور الشرق وبالعادات والتقاليد العربية أن يتمتع بشعبية كبيرة لا يرقى اليها سوى القليل من الأوروبيين في بلد اسلامي (كهذا) مما اعطى لمراسم الجنازة طابعا مهيبا. لقد توفي هذا الرجل كجندي بساحة الشرف وجهزت له المراسم التي كان يستحقها والتي تجمع بين الروعة والبساطة.
أما آخر قنصل لفرنسا قبل اغلاق القنصلية فقد وصل مسقط في فبراير عام 1919 م أو بالأصح عاد إليها. شارل لوكوتور الذي كان قد عمل مؤقتاً بها عند موت بلانشون. وكانت اقامته قصيرة حيث داهمه المرض الذي وقع ضحيته اخر قنصل لنا. وفي 27 نوفمبر من نفس العام غادر مسقط الى بومباي على سفينة مجهزة طبيا. وكالعادة تولى ادارة القنصلية محاسب التجهيزات وهو ايفانو خليفة ماتودي والذي أُوكلت إليه
مهمة اغلاق القنصلية عام 1920 م.
لقد أدت الحرب العالمية الأولى وما نجم عنها من دمار في أوروبا الى ابعاد فرنسا عن مسقط. واصبحت فرنسا حليفة لانجلترا بعد توقيع الهدنة بينهما وتضاءلت
26