جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

التيمم ليس بتيمم قيل فان فعل قال فحسن جميل فدل قوله عمن لم يتيمم ليس عليه شيء ومن يتيمم فهذا أخذ بالحيطة من شأن المؤمنين. ومترجمنا كان شاعرا أديبا فقيها لغويا وجد له مرثية طويلة يرثي فيها الطلبة والفقهاء الذين ماتوا بمرض الطاعون الواقع بجربة سنة 750 هـ /1349 - 1350 م وهي رائية عدد أبياتها 42 يقول الشيخ يعيش:

ومما دهاني واستبى اللب والكرى وصيرنني ألف الهموم محيرا حماة حماة الدين حيث تثير أبا عامر فالدين بكم تحير أرى فقدهم في الدين صرفا مدعثر أيا عامر كنت النذير المصدر جزيتم عن الحق النعيم المدرر ليبكيهم نادى العلوم المبتر أبا عامر فالقلب مني تضجر

معصرا

طوال الليالي مستكينا مدثرا أرى الموت خيرا لو أموت مشهرا فأصبحت واهي العقل حين تخمرا سموت بحق الله عصر وعرف الشرور بعدهم قد تحيرا ويحكي أبو عيسى الكتاب المعبرا وخولتم نهر الجنان المخررا ليبكيهم أخو التعلم صبرا يحق لدمع العين أن يتحدرا

ترى لأبي عيسى الخلوق المعطر لذكرة صنع الخير منه المكثرا

سقى الله حياظهم قبرا لفته وأخلف في هذا العشير مكبر

ويقول:

رضاء من الرحمان عفوا مدخرا

بعلم ودين الحق حقا منورا

ويقتحم الإنسان حجرا محجرا وتعلم أن نال العذاب المقدرا فما أجمل الإنسان وجها مضورا وما أقبح الإنسان عقلا منكرا وقد كان عقل المرء نهرا مفجرا عليه بربي البريء غرسا منكرا وله رسائل عديدة منها رسالة وجهها إلى بعض الطلبة من أهل أريغ يلومهم على تقصيرهم وتقع في ثلاثة صفحات من الحجم الكبير (193) بدأ بذكر الرابطة المتينة بين جربة وأريغ (194) ثم دعاهم إلى التفقه وذكرهم بمجد سلفهم ثم دعى أولياؤهم إلى الإنفاق على تعليم أبنائهم وكان يدعوهم إلى الإقبال إلى جربة فيقول في الرسالة لو صدقت محبتكم لأبنائكم لمكنتموهم الشطر من أموالكم ولأرسلتموهم إلى أقرب مكان يتعلمون فيه ولكن تكاسلتم فتكاسلوا والسلام. إن لهجة هذه الرسالة الشديدة صارخة حاول الشيخ يعيش أن يستفزهم لتعليم أبنائهم. قضى الشيخ يعيش كامل حياته في الجهاد العلمي والإصلاح الاجتماعي ينشر الفضيلة ويحارب الرذيلة بلسانه ويده وكان يسهر على تنفيذ الأحكام الشرعية بين المتخاصمين تخرج على يديه أعلام واصلوا رسالته وجهاده منهم تلميذه الشيخ قاسم بن إبراهيم البرادي الذي خلفه في مدرسة جامع ولحي والشيخ سعيد بن أحمد السدويكشي وقد رثى شيخه: أقول وبرق الحزن في السر يلمع

ورعد الفؤاد بالمصائب يسمع

ونيران وجدي تخرق الجسم والحشا تأجج أضعافا وقلبي مقطع

وفي الصدر هم واختراق وغمة

بفقد عميد الدهر مصباح عصره

وعين بعيد الدمع بالدمع تهمع

يعيش بن موسى الأودعي السميدع

منار الورى في الدين والعلم والهدى وبدر الأنام في الظلام يشعشع وهذه مرثية أخرى في الشيخ يعيش لم أجد أولها:

لقد ذقت ذرعا بالأسى غير أنني

فلست بمفراح مدى الدهر بعده فيا أيها المسرور عند وفاته

أحمل نفسي الصبر عند الفوادح

ولا جزع من مجحفات الجوائح

كسيت مخازي الذل يوم الفضائح

(193) - دفتر رقم 1 ص 5 و 7 والأصل موجود بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب بغيزن جربة

194) تاريخ منطقة الجريد الأول حسب تحديد ابن خلدون الجزء الأول ص 122 وهي تسمى قسطيلية فهي كثيرة العمران بها كثير من النخيل والأنهار وكان أهلها إباضية في القرن الثامن هجر