جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٢٦قال بعض تلاميذه كنت بالزيتونة في مجلس من مجالس العلم فأثير سؤال حول اللغة العربية فاضطرب الأستاذ المدرس وتردد في الجواب فتكلمت فيها بما حضرني فأعجب الشيخ جوابي وقال لي عمن أخذتها، قلت عن أبي محمد البرادي فالتفت إلى القوم وقال لهم: ما رأيت أعلم. من البرادي، فغضب بعض الحاضرين من هذا القول، فالتفت الشيخ إلى البجيري وكان متخصصا في العربية فقال له انه يشاركك في العربية ويزيد عليك في علوم أخرى ثم التفت إلى غيره ويقول لكل واحد منهم أنه يشاركك في مادة تخصصك ويزيد عليك في علوم أخرى.
قال الشماخي (196) حدثني تلميذه يعقوب بن أحمد اليفرني يقول حضرت مناظرة بين علماء حرية وعلماء تونس في مجلس أبي فارس الحفصي سنة 797 هـ/1395 م فألقى أحد علماء تونس على الشيخ أمحمد سؤالا فقال لي شيخي أجب عن هذا السؤال فأجبت بما اقنع أبا فارس والجمع الذين حضروا معه وأتضح لأبي فارس أن النصيحة التي أشار بها عليها بعض الناس في إلزام أهل جربة بإتباع المذهب المالكي إنما هي وشاية
متعصب حقود.
أقام أبو فارس عزوز الحفصي أياما في جربة مكرما محترما وعاد أبو فارس الحفصي إلى مركز حكمه بتونس مقتنعا بأن هؤلاء القوم أحرص على دينهم من الوشاة المتزلفين
وحي
زار الجزيرة عالم مغربي فاجتمع بالشيخ أبي محمد ابن أبي القاسم البرادي في مسجد وادي الزبيب وجرت بينهما مناظرة علمية في مسائل الوحي ورؤية الباري قال البرادي أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام بالكلام كما أوحى إلى سائر الأنبياء عليهم السلام فقال المغربي بل كلمه بذاته قال البرادي هل تحسن العربية فقال نعم قال المصدر مؤكد تعرفه فقال نعم قال مثل به قال مات، زيد يحتمل حقيقة ومجازا أي أن يكون بلغ به الخوف والشفقة أو المرض مبلغ الموت أما إذا قلت مات زيد موتا فقد ارتفع المجاز وبقيت الحقيقة لأنك أكدت الفعل بالمصدر فلا يتطرق إليه المجاز أصلا قل وكذلك كلام الله عز وجل لموسى عليه السلام إنما كان كلام ذاته حقيقة لأنه أكد فيه الفعل بالمصدر فقال كلم الله موسى تكليما فقال له كذلك أن الله إليه فقد كلمه حقيقة فقال لا يسمى الوحي كلاما إلا من جهة المجاز دون الحقيقة فقال: قال تعالى "ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " (آية 51 من سورة التوبة فقال الوحي هذا إلهام والرؤية كما فعل لبعض الأنبياء عليهم السلام أو من وراء حجاب كما فعل بموسى عليه السلام سمع كلامه ولم يره وأرسل رسولا كما فعل مع سيدنا محمد وسائر الأنبياء عليهم السلام لكن المعتمد عليه عند أصحابنا على أنه أوحى إليه لكن الله خصه بهذا الكلام ألا ترى إلى قوله تعالى "إني اصطفيتك على الناس برسالتي" فقال جميع هذه الآثار إنما تدل على أنه إنما أوحي إليه وحيا والقرآن يشير إلى هذا في قوله تعالى "فاستمع لما يوحى" (197) والوحي في اللغة هو الكلام الخفي وليس من شرطه الواسطة إلى أخر المحاورة فأجاب البرادي أن التأكيد يرفع المجاز في الفعل فقط والمجاز في الإسناد كهذه المسألة لا يرفعه التأكيد بالنفس والعين كما في كتاب المغنى لابن هشام قال الشماخي ما رأيت أعلم من البرادي يروى صاحب السير عندما يزور جبل دمر يرجع إليه أخوه جميع الأسئلة والفتاوى والحكم بين المتخاصمين وكان البرادي عالما متضلعا في جميع العلوم له مجالس علمية بمدرسة جامع وادي الزبيب يحضرها الطلبة والعلماء اللذين دونه علما والغالب عليه علم البيان والمعاني والمنطق
(196) الشماخي سير ص 575
197) - الآية 12 من سورة طه