جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٤على المكتسبات التي أحرزتها في ظل الإسلام وبعد مناقشات عنيفة اجتمعت كلمتهم على انتخاب أبي بكر الصديق أول خليفة للمسلمين، وقبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى استشار كبار الصحابة الموجودين في المدينة المنورة وعهد بها إلى عمر بن الخطاب ثم فكر عمر في أمر الأمة من بعده بعد أن تلقى طعنات من خنجر أبي لؤلؤة الفارسي فاستقر رأيه على أن يجعل الخلافة في واحد من سبتة من الصحابة هم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمان بن عوف وسعد ابن وقاص وقد بين عمر أسباب اختياره لهؤلاء النفر من الصحابة حينما قال مخاطبا إياهم " إني نظرت فوجدتكم رؤوس الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم وقد توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو عنكم راض " إني لا أخاف اختلاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخاف عليكم اختلافكم فيختلف الناس" وبعد مناقشات واستشارات دامت ثلاثة أيام بويع عثمان بالخلافة في ذي الحجة من عام 23 هـ وفي عهده واجهت الأمة الإسلامية أخطر محنة مرت بها بعد حروب الردة وهو ما عرف في التاريخ باسم الفتنة، كانت هذه الفتنة حدثا خطيرا ساعد في ازدياد شقة الخلاف بين المسلمين حول منصب الخلافة وقد أدت التطورات إلى أحداث فيما بعد. وأدى النزاع بين علي ومعاوية إلى بروز فرقة المحكمة أو الخوارج كما سماها أعداؤها أو الشراة كما سموا أنفسهم وانشقت هذه الجماعة عن علي عندما أصر على قبول التحكيم ونادت بانتخاب خليفة المسلمين عن طريق الشورى دون اعتبار للنسب القبلي أو الأصل العرقي وكانت فرقة المحكمة أول من تحدى سلطة قريش عندما انتخبوا عبد الله بن وهب الراسبي إماما لهم ونادوا بقية المسلمين للانضمام إليهم وبعد معركة النهروان اعتزل أفراد منهم أصحابهم وتوجهوا صوب البصرة حيث أخذوا يدعون لمذهبهم سرا خوفا من بطش الولاة الأمويين وقد تزعم هذا الفريق أبو بلال مرداس ابن جديج التميمي وكانت هذه الجماعة البذرة التي أنتجت الفرقة الإباضية أو أهل الدعوة كما كانوا يسمون أنفسهم.
شهد أبو بلال زعيم هذه الجماعة معركة صفين مع علي ابن أبي طالب وأنكر التحكيم واشترك في معركة النهروان مع المحكمة ضد علي ويبدو أنه لم يكن مرتاحا لما حدث من خلاف وفتنة بين المسلمين من قتل وتشريد على يد إخوانهم في الدين فانسحب مع نفر من أصحابه وأقام مع أبناء عمومته من قبيلة تميم الذين يشكلون جزءا هاما من سكان البصرة آنذاك. وكان يتزعم هذه القبيلة الأحنف بن قيس السعدي التميمي. لقي أبو بلال وأصحابه الحماية والترحاب من الأحنف وقبيلته أخذ بلال ينشر آرائه وأفكاره بطريقة الإقناع بدون اللجوء إلى العنف والحرب وأنكر قتل المسلمين ودعا أتباعه بأن لا يجردوا سلاحا ولا يقتلوا أحدا إلا إذا تعرضوا للعدوان وأجبروا على القتال وبلغ من حسن سيرته حتى أن عددا من الفرق الإسلامية فيما بعد ادعت نسبته إليها واعتبرته واحدا من أبرز أتباعها وقد نشط مرداس في البصرة لنشر دعوته وأفكاره وكان يعقد المجالس والمناظرات لإقناع الناس بآرائه فانظم إليه عدد كبير من المعجبين به وأخذ عدد أنصاره يزداد ويتعاظم حتى أنهم ابتنوا لهم مسجدا خاصا بالبصرة. لقيت دعوة بلال استجابة جعلت الله عبيد زياد والي العراق يقول " إن كلام مرداس أسرع إلى القلب من بن النار إلى اليراع " وانظم إلى هذه المجموعة الفقيه المعروف جابر بن زيد الأزدي الذي لم يلبث أن أصبح رئيس الجماعة والمؤسس الحقيقي للحركة وانضوى الجميع تحت إمرته بما فيهم أبو بلال نفسه ولكن الجماعة أثرت أن
تتكتم على اسمه ولا تعلن عن علاقته بالحركة حتى لا يبطش به الولاة. نتيجة لهذا النجاح الذي أحرزته المحكمة اتبع والي العراق سياسة قاسية تجاههم مما اضطرهم للجوء إلى السرية في نشر دعوتهم وكان عبد