جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٥

الله

ان

بن

زياد يبعث العيون والجواسيس لتعقبهم والقبض عليهم والزج بهم في السجون وكانت هذه الإجراءات الشديدة تقض مضاجعهم وتلقي الرعب في قلوبهم فقد كانوا يأتون مجالسهم متنكرين متشبهين بالنساء لدفع الريبة عنهم وهم في طريقهم إلى أماكن اجتماعاتهم وكانوا أحيانا ينتحلون صفة التجار والباعة المتجولين حتى يصلوا مقصدهم ولم يكتف ابن زياد بمطاردتهم والتنكيل بهم بل لجأ إلى أسلوب آخر يرمي إلى زرع الخلاف فيما أملا بينهم في القضاء عليهم من الداخل. فقد كان يحبس الجماعة منهم ثم يأمرهم يقتل بعضهم بعضا ومن قتل زميله عفا عنه وأخرجه من السجن وحاول زياد يزرع الفتنة بين العرب والموالي وخاصة أن دعوة بلال قد استهوت عددا من الموالي الذين كانوا يقطنون البصرة فناصروه واعتنقوا مبادئه نتيجة الاضطهاد الذي تعرض له القعدة في البصرة. آثر بلال الهجرة وترك المدينة مرتحلا إلى مكان آخر آملا في أن يأمن شر بن زياد وينشر آرائه ومذهبه بحرية أكثر وفي مناطق لم تصل إليها دعوته من قبل فسار معه أربعون رجلا أتباعه حتى نزلوا " آسك " وقد أعلن مرداس وأصحابه أنهم لن يجردوا سيفا على أحد ولا يقاتلوا إلا من بدأهم بالعدوان وعلى الرغم من ذلك فقد خشي بن زياد نشاطه وانتشار دعوته فندب إليه الجيوش وأباده وأصحابه في عام 61 هـ وبعد استشهاد بلال بثلاثة أعوام حدث انقسام نهائي بين المحكمة فمال فريق منهم إلى التطرف وحبذ الفريق الآخر الاعتدال وبرز على إثر هذا الانقسام جماعة القعدة المعتدلة التي آثرت الهدوء والسير على نهج أبي بلال. وفي النصف الثاني من القرن الأول الهجري انقسمت القعدة إلى فرقتين الصفرية والإباضية. فسميت الإباضية بهذا الاسم نسبة إلى عبد الله بن إباض الذي تعتبره المصادر غير الإباضية مؤسس المذهب الإباضي. أما المؤرخون الإباضية فينسبون إلى عبد الله ابن إباض دورا ثانويا بالمقارنة مع جابر بن زيد الأزدي العماني الذي يعتبرونه إمام أهل الدعوة ومؤسس فقههم ومذهبهم ويجمع المؤرخون الإباضيون على أن الله عبد بن إباض كان يصدر في كل أقواله وأفعاله عن جابر بن زيد.

من

أما الإمام جابر فكان فقيه الإباضية ومفتيهم وهو الذي بلور الفكر الإباضي حيث أصبح متميزا عن غيره من المذاهب بينما كان ابن إباض المسؤول عن الدعوة والدعاة في شتى الأقطار وهو الذي قدمه أتباعه لمناظرة أعدائهم ويتكلم باسمهم علنا فصار معروفا لدى العامة فكان أشهر من جابر الذي أخفى معتقده واستعمل التقية الدينية فلم يخطر على أحد أنه زعيم الإباضية ومؤسس مذهبهم وخاصة أنه لم يكن معروفا لدى البصريين إلا يكونه أحد التابعين المحدثين الثقاة ومن أشهر فقهاء البصرة وعلمائها والواقع أن جابر كان ذا علاقة بالمحكمة منذ وقت مبكر وأصبح أحد مفكريها البارزين منذ بداية النصف الثاني للقرن الأول الهجري. وقد اكتسب ثقة أقرانه لعلمه ودينه فكانوا لا يبتون في شيء إلا بعد مشورته وأما الأمويون فإنهم لا يريدون نسبة هذه الفرقة إلى جابر حتى لا يجذبوا إليهم الأنظار فتميل إليهم النفوس بخلاف نسبتهم إلى عبد الله بن إباض الذي يعتبر أقل تأثيرا على الناس والباحث في المصادر الإباضية الأولى لا يجد فيها أسم الإباضية بل يجد لفظ جماعة المسلمين أو أهل الدعوة أو أهل الاستقامة ولكن يبدو أنهم مع مرور الزمان وإصرار مخالفيهم على تسميتهم بهذا الاسم قد قبلوه لأنهم لم يجدوا فيه ما يؤذيهم أو يسيء إلى سمعتهم وقد ظهر هذا الاسم لأول مرة في المؤلفات الإباضية بالمغرب العربي في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري. لما قدم الإباضية ابن إباض ليجادل باسمهم ويناظر مناوئيهم ويكشف عن بعض مبادئهم في تلك الفترة الحرجة التي يعزز بها الحركة رأوا أنه لابد لهم من الإفصاح عن بعض آرائهم ومعتقدهم وخاصة ما يتعلق منها بوجهة نظرهم نحو متطرفي الخوارج حتى لا يتعرضوا للسخط من بقية الأحزاب الذين