جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

المكي والشيخ مصطفى رضوان وغيرهم اجتهد الجادوي في تحصيل العلوم فدرس العلوم الفقهية والأدبية والتاريخية وغيرها على علماء الزيتونة ثم شعر بحاجة إلى المزيد في الفقه الإباضي وأصوله وتاريخه فسافر إلى طرابلس ليدرس على الشيخ عبدالله الباروني في مدرسته بمدينة يفرن وصاحبه في هذه الرحلة زميله الشيخ سعيد بن تعاريت سنة 1314 هـ/1896 م فلزم دروس الشيخ عبدالله بن يحي بن أحمد الباروني بمدرسته بالبخابخة وخاصة في الفقه الإباضي والأصولي والعقائدي ودرس عليه كتب السيرة وغيرها ولما استكمل ثقافته عاد إلى تونس واشتغل بالتجارة وفتح له دكانا بسوق اللغة بالعاصمة فخالف طريقة أجداده ومنهج علماء الإباضية حيث كانوا لا يفضلون أي عمل على نشر العلم في الأوساط الجاهلة وغرس روح الدين في الأمة والمحافظة على سلامة المجتمع من الإنحلال الخلقي. الجادوي لم تشغله التجارة عن خدمة وطنه بقلمه فأنشأ جريدة المرشد سنة 1324 هـ / 1906 م يعالج قضايا الأمة وينير السبل للرأي العام وقد سعت الحكومة الفرنسية لتوقيفها وتعطلت نهائيا في 1908 م ثم أنشأ بعدها جريدة مرشد الأمة سنة 1326 هـ / 1909 م وسخر الجادوي قلمه لخدمة الصالح العام يدافع عن المظلومين والمضطهدين عن طريق جريدته وقد قاوم الإستغلال والاستعمار وكان وطنيا صادقا قد أحرز الجادوي على ثقة الشعب بإخلاصه وصراحته النادرة ومقارعة الظلم حتى تعرض إلى غضب المستعمر فحوكم (239) وعطلت جريدة مرشد الأمة في 1911 م ثم استانفت الصدور في 1920 م وتعطلت مرة اخرى في 1925 م ثم عادت الى الصدور سنة 1936 م لتتعطل في 1948 م واخيرا غابت نهائيا في 1950 م بعد العدد 243 وكان الجادوي صحافيا ممتازا سمى بفن المقال السياسي فكان يمثل طبقة الكهول يقول الفاضل بن عاشور في روح كتابة الجادوي روح حماسية إسلامية وطنية ينهج في تحريره نهج التذمر والاحتجاج ويحتد في مهاجمته ويتذمر ويستقصي الحجج لموضوعه من كل وجهة ولو كان على غير مبدئه (240) ويبدو في طريقته الثبات على المبدأ إلى حد التطرف واليقين المطلق في النظرية التي يدافع عنها وأكثر مقالاته نقد لمواقف رجال الحكم وتصرفاتهم بمقياس الخلق الديني والمبدأ الوطني وأسلوبه البياني عربي متين يستمد من الثقافة الدينية ويبالغ في تشنيع الصور ولا يقصد في كشف الحقيقة على ما يتصور فيها من شر ولو لا ما في تحريره من قلة الانسجام واضطراب التسلسل المنطقي وما يفرق فيه من الاستطراد والبيانات اللغوية ومسائل العلوم التي ينبئ عنها ذوقه التحريري الصحافي وما يعتري جمله أحيانا من لحن وسقم في التركيب لكان الشيخ الجادوي مدرسة المقال السياسي بحق وان كان ذلك لا ينزع عنه ما برز له لنظر التاريخ من أنه فارس الدفاع في سبيل الفكرة الدستورية التي لا يتراجع عنها ولا يلين وأصدر جريدة أبة نواس سنة 1327 هـ/1909 م.

اهتم الجادوي بجمع منتخباته في كتاب سماه "الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة طبع سنة 1343 هـ/1925 م وهو كتاب متوسط الحجم يضم 789 صفحة جمع فيه الجادوي في جزئه الأول منتخبات من جريدته المرشد وفي جزئه الثاني منتخبات من مرشد الأمة نشر فيه 190 مقالا معظمها بقلمه وقليلها بأقلام غيره من كتاب وأدباء وصحافيين. إنها مجموعة المقالات حافلة بالنفائس التاريخية والاجتماعية والسياسية والأدبية، عاش الشيخ الجادوي أحداثها فحررها بقلمه السيال وهي فترة هامة تزيد

من

239) - حوكم في المرة الثانية أمام "الدريبة" محكمة إدارية بدعوى إدارية عدد 35 لسنة 1907 م في 20 ذي الحجة 1325 هـ حيث اتهم بإثارة حماس الناس ومهاجمة وفضح سلوك المستعمر بحق التونسيين 240) - الفاضل بن عاشور. الحركة الأدبية والفكرية في تونس ض 146