جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٤٧عن عشرين سنة وهي الفترة التي سيكتب عنها التاريخ المعاصر وقد أثنى عليه الأدباء بقصائد. وإليك قصيدة الشيخ الهادي المدني حيث يقول فيها:
يا من يطالع هذا الكتاب رأيت دهرا عليه الزمان
كيف انقضي وأتت بعده رأيت ما قد أتاه الطغاة وكيف أودعوا الحق وكيف كان جهاد الكتاب
وكم تحمل منهم فلم يزدهم إلا فأنت تنظر تلك الأمور وتتبع السر في الحادثات
بشراك بشرى أسدل سترا
الحوادث تطرى ظلما وقهرا والمساواة قبرا إذ ذاك وعرا
ذوو العزيمة إصرا
عزما وجدا وصبرا
عصرا فعصرا
شيرا فشيرا
لم يشتغل الشيخ سليمان الجادوي بالتدريس كعادة أسلافه ولكنه تفرغ لخدمة بلاده ووطنه بقلمه وأفكاره يرشد الأمة وهذا أمير الشعراء الشاذلي خزندار ينوه بكتابته يقول فيه:
لئن جاد شعرك فالجادوي
إليك "الفوائد" منه التي وحسبك بالصحفي قيمة
مثال الإجادة فيه بدا
فتحنا القلوب لها واليدا
إذا كان للأمة المرشدا
اختار الجادوي مجموعة كبيرة من المقالات الهامة التي نشرت في جريدة "مرشد الأمة" وأصدرها في كتاب ضخم يشتمل على 784 صفحة سماه "الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة نشره على نفقته الخاصة سنة 1925 م وحلاه بصورته کتب تحتها: لما استحال بأن أكون
أبقيت
من
ذاتي مثالا خدم الصحافة مرشدا
مع الجميع مدى الزمان قائلا هذا فلان
وكفى العيان عن البيان
يقول الجادوي: "هذا ما تم جمعه بعون الله وتدوينه من منتخبات مرشد الأمة فكان هذا الكتاب سفرا قيما حافظ على كفاح أمة قاومت الاستعمار وجمع شوارد الفصول لتستفيد منه الأجيال الصاعدة وهي جهود إفهام بلا رماح وكفاح الأقلام بلا سلاح وهنا نجد الجادوي يتضجر من ظلم الزمان وجود السلطان ويصف العهد الذي عاش فيه يقول: صوت الحق مصحوب بالتأوه من تصرف عاطل واستبداد قاتل وإدارة تقابل بوجهين وخزينة تعطي بمكيالين وشورى لا استشارة وهيئة قضائية تصدر أحكامها الإدارية وتشريع إداري وتجبر استعماري ومجلس كبير في الاسم لكنه صغير باعتبار القول والرسم (241) ومسألة تونسية وأحزاب شعبية وتأييد وهدم ووصال وصرم وتنابز وتخالف وتشاحن وتجازف وتجنيس وفقر قد فغر فاه ليفرنس البلاد وكشر عن أنيابه ليبتلع الذاتية والمجد والسداد حيث جعله مناط التساوي وموجب إجراء العدالة والتخاوي قياسا على ما كان جاريا في العصر الصليبي من كون الدين فاصلا في الحقوق بين الرعية مؤذنا بإلحاق المخالف في الرعية ويقول: "كل ذلك قد طواه الزمان وارتحل وأصبحنا نستقبل عصرا لم يزل غير باسم مجدئا على أن نجد ونعمل ولذا فإن طال بنا المدى وأمهلنا الردى وكان في العمر مجال ولم يغمر الجسم باعتلال فسيكون المستقبل أوفر فائدة مما مضى وأكثر مجدا مما انقضى إلى أن نصل إلى نيل الدستور وتسود الحرية الحقة في أرجاء هذه المعمورة".
(241) كان الشيخ سليمان عضوا في المجلس الكبير نائبا عن جربة وعضوا في اللجنة التنفيدية عند تأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920 وكان في مقدمة وفد الأربعين إلى الملك محمد الناصر باي لطلب إعلان الدستور.