جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٦يعتبرون الإباضية من الخوارج المتطرفين مثل الأزارقة مارقين تجب محاربتهم والقضاء عليهم عبر الإباضية وأفصحوا عن آرائهم حتى لا توجه إليهم الاتهامات التي وسم بها متطرفوا الخوارج وكان ابن إباض هو المؤهل للقيام بهذه المهمة الدعائية لأنه بالإضافة إلى قدرته في المناظرة والمجادلة ينتمي إلى قبيلة تميم وهي إحدى أهم قبائل البصرة آنذاك ومن الصعب على ولاة الدولة الأموية أن يتعرضوا له بالأذى خوفا من إغضاب القبيلة. توفي ابن إباض في الربع الأخير من القرن الأول الهجري، فلجأ أتباعه إلى السرية المطلقة في تنظيم دعوتهم وكان لجابر دور عظيم في هذا الشأن فانظم إليه عدد كبير من عرب الجنوب ومن الموالي. ولما توفي جابر بن زيد سنة 93 هـ خلفه أبو عبيده مسلم بن أبي كريمة التميمي في أداء المهمة التي اضطلع بها سلفه فوجد أبو عبيده مجتمعا إباضيا متماسكا تسوده الألفة والمحبة والتعاون فتزعم هذه الحركة السرية وكون منها حكومة بالبصرة مستعينا في ذلك بكبار مشائخ دعوته وعلمائها البارزين، قام أبو عبيده بتطوير المجالس السرية وتصنيف وظائفها وترتيب طبقاتها وقد قسم هذه المجالس إلى ثلاثة أنواع:
أولا المجالس العامة يحضرها جميع أهل الدعوة وثانبها مجالس أهل الذكر من العلماء يحضرها زعماء الدعوة وفي هذا المجلس تقرر السياسة التي يجب على أتباعهم الالتزام بها ويشبه ما يعرف اليوم باسم اللجنة التنفيذية أو اللجنة المركزية التي ترسم سياسة بعض الأحزاب أو الحركات أما النوع الثالث فهي مجالس أو مدارس حملة العلم وكانت تقام في سراديب أرضية لها منافذ عديدة لا يعرفها إلا الإمام وشيوخ الإباضية، وفي هذه المدارس كان الدعاة يتلقون العلم وأصول الدعوة وتعاليمها مباشرة عن الإمام أبي عبيده التميمي الذي كان يتظاهر يصنع القفاف حتى لا يخطر ببال أحد أنه زعيم حركة مناهضة للأمويين وكان أبو عبيده يجلس في السرداب يلقي دروسه على تلاميذه وكان هناك حارس يجلس عند الباب الخارجي يصنع القفاف فإذا أحس بالخطر يمسك بسلسلة حديدية فيتوقف أبو عبيده عن إلقاء دروسه ويخفي أوراقه وكتبه ويشتغل يصنع القفاف وإذا أمن الحارس وأيقن عدم وجود خطر حرك السلسلة مرة أخرى فيعود أبو عبيده وتلاميذه للدرس ومن هذا السرداب تخرج دعاة الإباضية في جميع الأمصار وكانت بلاد المغرب من بين الأمصار التي اتجه إليها حملة العلم أرسل أبو عبيده بعض الدعاة للاستطلاع على أحوال الناس في المغرب العربي ومعرفة اتجاهاتهم ودراسة عاداتهم وتقاليدهم وطرق معيشتهم ومقدار تطورهم الفكري والحضاري ودرجة ولائهم للسلطة الحاكمة حتى يسهل على الإمام اختيار الأشخاص، وأول داعية دخل المغرب العربي هو سلمة بن سعد وعكرمة مولي ابن عباس جاء سلمة إلى إفريقية في بداية القرن الثاني الهجري يدعو إلى المذهب الإباضي يقتحم المجاهل ويدخل القفار ويغشى المجتمعات التي لا تعرف له جنسا ولا لغة وليس له إلا الإيمان الذي عمر قلبه وتلك المعرفة الشاملة لكتاب الله وسنة رسوله وسير السلف الصالح من الصحابة والتابعين ولم تمض على دعوته أكثر من عشر سنين حتى انتشرت ما تلمسان بالجزائر وسرت بليبيا وقد حقق سلمة آماله في هذه الجهات وكان ينتقل لا يعتمد في ذلك على جيش ولا حرس ولم يصاحبه في هذه الرحلة الطويلة من البصرة إلى إفريقيا إلا الإيمان بصحة العقيدة وصفاء الفكرة وسلامة الدعوة ومعرفة واسعة للإسلام وأسراره. واستطاع سلمة إقناع بعض الأشخاص ممن اعتنقوا المذهب الإباضي بالذهاب إلى المشرق ليأخذوا العلم ويتفقهوا في أصول الدعوة الإباضية على يد زعيم الحركة في البصرة الإمام أبي عبيده التميمي، وفي عام 135 هـ اتجهت إلى البصرة أول بعثة علمية منظمة اختير رجالها من
بين