جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٦١رمي بنفسه في النيل وانقذهما من موت محقق ولما عادا إلى منزلهما أحس الشيخ عمر بألم شديد في عينيه فعرضه خاله حمودة على متطبب مشعوذ استعمل له أدوية أضرت به وفقد على إثرها. بصره. أدخله خاله الكتاب بقرية الفيوم فحفظ القرآن عن طريق الملة في فترة وجيزة لما يتمتع به من ذكاء وقوة في الذاكرة وفصاحة في اللسان.
عاد الشيخ عمر إلى أرض الوطن ثم التحق بجامع الزيتونة بتونس العاصمة. وعن عودته يروي الشيخ سالم بن يعقوب نقلا عن شيخه عمر بن مرزوق قوله: "لما أراد خالي أن يرسلني إلى تونس جاءني ليلة سفري وقال: قل لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال: فقلتها. قال: كررها ثلاثا، ثم قال: قل بسم الله الرحمان الرحيم قال: فبسملت ثلاثا ثم طلب مني أن أمد يدي فمددتها، فبدأ يعد في يدي الدنانير حتى وصل العشرين جنيها مصريا وقال هذا من زكاة مالي. اللهم تقبلها مني. "
دخل الشيخ عمر بن مرزوق جامع الزيتونة سنة 1913 م فكد واجتهد في دراسته وتتلمذ على خيرة علماء الزيتونة فحفظ المتون بمساعدة بعض الطلبة وتلقى دروسا في الفقه والعقائد والأصول على الشيخ عمر العوام المتوفى سنة 1335 هـ بمدرسة الإباضية بالهنتاتي بسوق اللغة. روى الشيخ أبو الربيع سليمان الباروني (260) متحدثا عن الشيخ عمر زميله في الدراسة عند زيارته إلى جربة سنة 1955 م قال: "كان الشيخ عمر حاد الذكاء قوي الحافظة شغوفا بالدراسة حريصا على الاستفادة لا يترك
الوقت يمر دون أن يستفيد منه. كنت أراجع له المسائل الفقهية واللغوية وأقرأ له المتون فيحفظها لازمني مدة الدراسة لا يفارقني فكنت أساعده على مراجعة جميع الدروس."
لما أنهى دراسته بالزيتونة عاد إلى جربة وانتصب للتدريس والوعظ والإرشاد فنظم دروسا بمنطقة الرياض سنة 1342 هـ حضرها عشرة من التلاميذ منهم الشيخ علي بن يعلى وفي أول محرم 1344 هـ وبمناسبة الاحتفالات برأس السنة الهجرية انتظم حفل ديني ضم مشائخ منطقة آجيم وصدغيان تناول فيه الشيخ عمر بن مرزوق الكلمة فوعظ الناس وأرشدهم ثم حثهم على تعليم أبنائهم والتفكير في بعث مدرسة تكون وسطا يقصدها شباب الجزيرة كلهم لتعلم أوصول الدين والعقيدة لقيت كلماته ترحابا من الحاضرين وتحمسوا للفكرة واقترح مشائخ منطقة بني ديس بعث هذه المدرسة بجامع بن يعلى بالرياض في حين اقترح مشائخ صدغيان ووالغ جامع الباسي بوالغ. واشتد الخلاف بينهما وأصرت كل جماعة على موقفها. وفي الأخير اتفق مشائخ آجيم ووالغ وصدغيان وقلالة على فتح مدرسة بجامع الباسي وتعيين الشيخ عمر بن مرزوق مدرسا بها وكلفوا الشيخ محمد بن تعاريت للسهر على إدارتها بجمع المال وترسيم التلاميذ في حين امتنع مشائخ منطقة بني ديس من إرسال أبنائهم ومد يد المساعدة لهذه المدرسة. وجمع الشيخ محمد بن تعاريت عشرة آلاف فرنك وخصصوا ثلاثة آلاف من الفرنكات في السنة للشيخ عمر بن مرزوق وأربعين فرنك لكل
تلميذ.
انتظمت الدروس بمدرسة جامع الباسي في العقيدة والعلوم الفقهية واللغوية والتاريخ حضرها جمع كبير من شبان الجزيرة نذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر الشيخ سالم بن يعقوب صاحب کتاب تاريخ جزيرة جربة من
260) - أبو الربيع الباروني درس في جامع الزيتونة واشتغل بالقضاء في طرابلس له كتاب في التاريخ مختصر تاريخ الإباضية مطبوع بتونس أشرف على طبعه الشيخ محمد الثميني توجد نسخة منه في مكتبة الباروني