جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٧٣هو إبراهيم بن عبدالله بن إبراهيم بن أبي بكر بن عمر بن عبدالله بن منصور بن عبدالعزيز بن معين وينتهي نسبه إلى المقداد بن الأسود الكندي أحد الصحابة رضي الله عنهم. وقد هاجر أحد أجداده وهو معين من قرية الجديدة بالقرب من المدينة المنورة إلى تونس واستقر بإحدى واحاتها في الجنوب التونسي وهي واحة جمنة بمنطقة نفزاوة وكان والده من فقهاء الجهة وبذلك ينتمي الشيخ الجمني إلى أسرة عربية عريقة نزلت بالجنوب التونسي.
نشأته وتكوينه العلمي
ولد إبراهيم الجمني سنة 1628 م (1037 هـ) بقرية جمنة ولما بلغ أشده وبإشارة من أستاذه سيدي علي الوحيشي ارتحل إبراهيم الجمني إلى مصر لأول مرة سنة 1656 م وأقام بالقاهرة تسع سنوات لطلب العلم بالجامع الأزهر فدرس على الشيخ عبدالباقي الذي أجازه في الفقه والنحو والمنطق ودرس أيضا على الشيخ الخرشي الذي أجازه في رواية الحديث النبوي وأخذ عن الشيخ عبدالله بن بلقاسم الجلالي أصيل المغرب الأقصى وفي سنة 1665 م استأذن شيوخه للعودة إلى البلاد التونسية ويروون أن السفينة التي أبحر عليها من الإسكندرية قد غرقت بالقرب من السواحل الشرقية لتونس وخرج الشيخ من هذا الحادث سالما ولكنه فقد كتبه الثمينة وحرصا على هذه الثروة الفكرية رجع الشيخ إلى مصر وتزود بالكتب من جديد وعاد إلى مسقط رأسه لكن المناخ الفكري في قريته لم يكن ملائما للنشاط العلمي فما لبث الشيخ أن غادر جمنة ليستقر في جزيرة جربة سنة 1673 م وقصد جامع الغرباء بحومة السوق حيث أخذ الطلبة يتدفقون عليه ويجلسون بين يديه للاستماع إلى دروسه فأدركوا سعة علمه وتبحره في العلوم
الشرعية.
انتصابه بالمدرسة المرادية
وصلت أخبار الشيخ الجمني إلى الباي حاكم تونس وهو مراد الثاني بن حمودة باشا وتقديرا لثقافته آذن مراد الثاني ببناء مدرسة في حومة السوق وبسانية التكيتك سميت المدرسة المرادية وتتألف هذه المدرسة من دور للسكنى (تحول) إلى مقر الحماية المدنية وبيت صلاة وضع محرابها سيدي أبوراوي من ذرية سيدي عبدالسلام وبها قاعتان رحبتان عليا وسفلي لإلقاء الدروس و 60 غرفة أو خلوة لسكنى الطلبة الوافدين من أنحاء جربة والجنوب التونسي وتعتبر هذه المدرسة اليوم من المعالم الأثرية الممتازة للهندسة والفن المعماري للقرن السابع عشر ويعلوها صاري كان يرفع العلم التونسي طيلة الحكم الحسيني بالبلاد التونسية.
دور الشيخ بالمدرسة
كانت جزيرة جربة في ذلك العصر (أواخر القرن 17 وأوائل القرن 18) معقلا للمذهب الإباضي وأشار لهذا الوضع الديني الرحالة التيجاني اثناء عبوره بالجزيرة في القرن 13 م.
قام الشيخ إبراهيم بمحاولة جريئة وناجحة فعكف على التدريس لمدة خمسين سنة (1674 - 1724) وقصده الطلبة المتعطشون إلى المعرفة من كامل الجنوب التونسي وقد بذل قصارى جهده لنشر المذهب المالكي وله اعتناء خاص بمختصر الخليل وكان وضع له حاشية تناقلها الدارسون رغم عدم طبعها وذكرتها المصادر السابقة وهو مواظب على قراءته كشأنه بالأزهر