جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

وكان يختمه بمعية طلبته كل ستة أشهر وكان الشيخ يقوم باكرا لإيقاظ طلبته فيطرق عليهم أبواب الخلوات (الغرف لينهضوا ويشرعون في العمل (قراءة الحديث حفظ، القرآن شرح مختصر الخليل، الخ … وهكذا كانت المدرسة المرادية مركزا للإشعاع الديني ما دام الشيخ على قيد الحياة واستمرت كذلك بعد وفاته لمدة طويلة وتخرج على الشيخ عدة فقهاء أشهرهم صالح المكاشف وعلي الفرجاني وأبي عبدالله محمد الشرقي الذي مدح الشيخ في قصيدة شعرية تتركب من تسع أبيات. وقد أجاز الشيخ إبراهيم الجمني كل من رأى فيه الكفاءة وأرسله لإرشاد الناس لدين الله ولهذه المدرسة مثيلها ببلدة مطماطة وتدعى مدرسة سيدي موسى الجمني وهو شقيقه وقد سار على منواله.

خصاله

يروي محمود مقديش في "نزهة الأنظار" في شأن تزهد الشيخ وعدم حرصه على المال، أنه لا يباشر ميزانية المدرسة بنفسه رغم إشرافه الأدبي عليها ويترك مهمة التصرف لوكيله فلا يعرف ما دخل من الدراهم وما خرج فكان وكيله في المدرسة يرفع الجلد الذي يجلس عليه الشيخ فيأخذ ما شاء ويضع ما شاء بدون أن ينظر إليه ويقول حسين خوجة في كتابه "ذيل بشائر الإيمان" إن الشيخ الجمني قدم من جربة إلى تونس لمقابلة الباشا إبراهيم الشريف حاكم تونس انذاك في شفاعة لابن أخيه عمر كان قد سجن من طرف السلطة المحلية وأثناء المقابلة احتقر الباشا الشيخ ولم يقبل له الشفاعة فانصرف الشيخ مكسور الخاطر ولما جاء الليل اضطربت أحوال الباي إبراهيم الشريف وضاقت نفسه فأمر باستدعاء الشيخ الجمني ولما حضر لديه طلب منه العفو وأطلق سراح السجين بعد أن شعر بنبل القضية التي جاء من أجلها الشيخ.

من

بن

به

العراقيل التي واجهته عاشت البلاد التونسية في الربع الأخير من القرن السابع عشر أزمة سياسية خطيرة تميزت بالنزاع الذي نشب بين أفراد البيت المرادي على السلطة وخاصة بين محمد وعلي ورمضان والذي انتهى بمقتل آخر المرادين وهو مراد الثالث من قبل إبراهيم الشريف وفي هذا الإطار تمردت القبائل بالبلاد التونسية وثار بعض الدايات على السلطة المركزية فاغتنمت عائلة جلود الحاكمة بجربة ضعف السلطة بتونس لتستقل بدورها في الحكم على المستوى الجهوي وقد واكب الشيخ الجمني هذا الوضع وتعرض الفقيه إلى مضايقات مالية من طرف حكام جربة وهم سعيد وعبدالرحمان واحمد آبناء جلود إذ فرض هؤلاء على الشيخ ضريبة ثقيلة عجز عن دفعها مما أدى إلى مغادرة الجزيرة سرا والالتحاق بالعاصمة واستشفع بإخوانه الفقهاء کالشيخ أبي عبدالله الغرياني الذي مكنه من الاتصال بالباي حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية وعلم الباي أن للشيخ الجمني دورا هاما في نشر المذهب السني بجربة التي يسيطر عليها الوهبية ولا غرابة إذن أن يرفع حسين بن علي ما كان على الشيخ من ديون وان يزيل عليه الظلم والضغوط المجحفة. تعظيما لقدره واعترافا له بالخدمات التي أداها في سبيل نشر المذهب المالكي بجربة خاصة والجنوب عامة ورغم انتمائه إلى المذهب الحنفي بذل حسين بن علي مع الشيخ إبراهيم الجمني جزيل الإحسان واثر وفاته (نوفمبر 1774 الموافق لربيع الثانية من سنة (1134 أمر ببناء قبة خضراء على ضريحه وهكذا اكتملت المدرسة الجمنية وتداول على منصب التصرف فيها وتنشيط الحياة الدينية داخلها وكلاء من أحفاد الشيخ إبراهيم أولهم عمر