جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٨٣

مصير

الأوائل بعمارتها والعناية بأمرها وأوقفوا عليها الأراضي الفلاحية وأصول الزيتون والعقارات والفنادق لصيانتها وضمان بقاء رسالتها كانت هذه المساجد مدارس تنشر الثقافة الإسلامية في ربوع هذه الجزيرة فقد رابط بها العلماء يعلمون الأمة دينها ولغتها ومن هذه المساجد تخرجت نخبة من العلماء ورجال الإصلاح وبمساجد هذه الجزيرة حافظت البلاد على أصالتها العربية وعلى إسلامها فالمساجد حصون الله في أرضه لمن تعلق بها قلبه وأخلص الله في عمله "إنما يعمر مساجد الله من أمن بالله واليوم الأخر وأقام الصلاة وآتي الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولائك أن يكونوا من المهتدين" (272) جاز الله أهل البر والإحسان الذين سبقونا بالإيمان وقد فارقوا الدنيا وتركوا أثارهم ومساجدهم شاهدة لهم بصدق الإيمان يقول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث قدسي: "إن بيوتي في الأرض المساجد وأن زواري فيها عمارها فطوبى لمن تظهر في بيته وزارني في بيتي وحق على المزور أن يكرم زائره" في هذه المساجد تعقد المؤتمرات والندوات العلمية والسياسية لدراسة البلاد وتخرج منها القرارات الهامة لتنفيذها بروح الإيمان والعمل الناجم عن العقيدة الصحيحة. ومن المساجد ينطلق رجال الإصلاح لخدمة البلاد والعباد وفض مشاكل المجتمع وفي المساجد يجد الناس الحلول العادلة التي تتماشى وروح الدين فيخرج الناس مسرورين راضين بعدالة هذا المجلس الذي يستمد سلطانه من روح الدين لا ظالم ولا مظلوم الناس سواسية أمام عدالة السماء لا فضل لأحد إلا بالتقوى وفي رحاب المسجد يدرب الشباب على القتال حتى يكونوا حصنا منيعا للبلاد وكانت المساجد في القديم مدراس تنشر العلم والحكمة ومقر الفتوى ونوادي يجتمع فيها العلماء والأدباء أن المساجد في العالم الإسلامي قد اكتسبت المكانة العالية من روح الأمة حيث أصبح المسجد منبرا عصريا لطرح القضايا المصيرية للأمة الإسلامية فالمسجد وقف أمام النزاعات المادية الاستعمارية عبر العصور صحيح أن العالم يتكور ويتداخل في شبكة عريضة من العلاقات التي تفرضها المصالح ومن خلال هذا التواصل تشكلت فصائل الغزو المباشر وغير المباشر لجميع العقائد التي ترفض التدجيل ومن هذه الظواهر توصل علماء الاجتماع إلى دراسة ما يسمونه بالظاهرة الإسلامية لأن التاريخ مشحون بالمتناقضات والمصادمات مع قوى الغرب المناهضة للإسلام وفي وسط هذا الواقع نجد أن المسجد بدأ يأخذ طبيعة مضخة الدم في الجسم الإسلامي لأنه حلقة الصلة بين الأبعاد الجغرافية التي يشغلها العالم الإسلامي والتاريخ أكبر شاهد على ذلك فهذه الحركة العلمية التي قامت بها مساجد الجزيرة في هذه المنطقة البعيدة عن العواصم العلمية خير شاهد على ذلك.

272) - سورة التوبة الآية 18