جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٨٤دور المساجد الساحلية
مسجد سيدي زايد
لم يكتف أجدادنا ببناء المساجد في الأحياء السكنية في داخل الجزيرة بل حرصوا على حمايتها من الأعداء فبنوا ما يزيد عن عشرين مسجدا على طول سواحل الجزيرة من جميع الجهات برابط فيها العلماء والمجاهدون وأهل الإصلاح يحمونها من هجومات النصارى لأن الجزيرة تعرضت في القديم لعدة حملات صليبية تزيد عن إحدى عشرة غارة ضاقت جربة فيها أنواع النهب والقتل والسلب والتخريب فكانت هذه المساجد تقوم بتعليم الأطفال العلوم وتحفيظ القرآن وتقام فيها الصلوات الخمس وترابط فيها الجماعة ليلا يتهجدون ويسبحون ويقرأون القرآن ويتسامرون أما الأطفال الصغار فلهم دور عظيم يتعلمون القراءة والكتابة ويدربون على الرباط منذ صغرهم فإذا لاحظوا العدو يهاجم الجزيرة أو يقترب من أرضها يرسلهم المؤدب ينشرون الخبر في جميع الأحياء فيهب الرجال كالأسود يحملون معهم السلاح والعتاد لخوض المعارك الدامية ضد العدو المهاجم فيكتسبون النصر ويستشهدون في سبيل حماية دينهم وأرضهم لأن الجزيرة لم تكن لها حامية تدافع عنها فسكان الجزيرة كلهم جنود متطوعون لحماية بلادهم أما إذا هاجمهم العدو ليلا فان المرابطين يستعدون للقتال في جميع الجهات وكانت وسيلة الاتصال بين المساجد التي على السواحل هي إشعال النار في إشارة بينهم على قدوم العدو فتهب جميع الجهات لنجدة هذه المساجد وكان العلماء يقومون بزيارتها ويتفقدون المرابطين ويمدونهم بالمال والعتاد ويقومون بإصلاحها ورعايتها وصيانتها وكانوا لا يغفلون عن زيارتها في كل شهر واستمر العمل إلى القرن الحادي عشر في عهد الشيخ أبي زيد بن أبي نوح الصدغياني (القرن 11 هـ/17 م) (273). وعلق الشيخ سالم بن يعقوب عن دور المساجد بقوله: "وكان القصد هذه الزيارة لمساجد الشطوط خفر سواحل الجزيرة وقد بنيت تلك المساجد الساحلية قصد إقامة المرابطين لئلا يهاجمهم العدو فجأة وكثيرا ما يهاجمهم ليلا، فأصبحوا أمام أمر واقع".
من
يبلغ عدد هذه المراكز أكثر من خمسة وعشرين أكثرها مساجد لتأدية فريضة الصلاة فيها. وكان الغرض من زيارة العلماء لهذه المراكز تفقد الخفراء والمرابطين وتشجيعهم وكانوا يصلون في كل مسجد ما شاءوا من النوافل ثم ينتقلون وهم على الدواب.
(273) رسالة الحيلاتي ص 34