جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٢وبعد أربعة أشهر وفّى أبو عبد الله وأسس الحلقة بمسجد المنية سنة (408/ 1017 م) وعندما تم نظام العزابة سموه بالسيرة المسورية البكرية نسبة إلى أبي زكرياء فصيل ابن أبي مسور الذي له فضل التحريض وإلى أبي عبد الله الذي استفرغ جهده في وضع قوانين تلائم ظروف الزمان والمكان ومستقبل الأجيال بما يكفل لهم سعادة الدارين وقد أتى أبو عبد الله الفرسطائي الى جربة في آخر حياته واجتمع بتلاميذه ليشجعهم ويثبتهم على تحمل المسؤولية.
والعزابي لفظ استعمل لقبا لكل من لازم الطريق المستقيم وطلب العلم وحافظ على سيرة أهل الصلاح وابتعد عن شهوات الدنيا ومتاعها يقول أبو حيان التوحيدي في شأن الخليل بن أحمد عزوفا عن الدنيا وزهراتها وشوقا إلى المولى والعزابة هم جماعة يتولون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويقومون بجميع الشؤون الدينية والدنياوية قال فيهم الشاعر:
أجدر الناس بالعلا العلماء فالبرايا جسم وهم فيه روح قد رأينا لكل دهر عيونا
فهم الصالحون والأولياء والبرايا موتى وهم أحياء
ولعمري هم للعيون ضياء
فمن مبادئ الإباضية مكافحة الرذيلة في مختلف أشكالها وألوانها المعروفة ومعاقبة مرتكبي الكبائر المحرمة مثل الفجور وشرب الخمر والكذب والسرقة ومكافحة الكفر والبدع الزائفة وضد كل تعصب مبني على الجمود. وفي مختلف أطوار التاريخ نرى الإباضية متمسكين بروح الدين والاعتصام بحبله المتين سواء فيما بينهم أو بين السلطة التابعين لها وإذا كانت الدولة القائمة جائرة غير سائرة طبق أحكام الدين فالإباضية يتجنبون إثارة الشغب فيكتفون بدفع الأموال والضرائب المطلوبة منهم مثل بقية الأمة أما تسيير المجتمع الإباضي فهو مبنى على ما يعرف عندهم بنظام العزابة هذا النظام الذي يكفل لهم رعاية المساجد وإقامة الصلاة والمحافظة على دروس الوعظ والإرشاد وتثقيف العامة دينيا وتحفيظ كتاب الله وشرحه للصبيان وتربيتهم تربية إسلامية نظيفة والمحافظة على الأسواق لكي لا تدخل إليها الأموال المحرمة والمسترابة والتشديد على التجار حتى لا تدخل بعض الأشكال الممنوعة في معاملتهم وكان كبار العزابة يتفقدون الأسواق بأنفسهم والمتاجر ويشرحون للناس صور الربا وأنواع المعاملات التي لا تجوز شرعا ومن أجل ذلك شدد العلماء في مراقبة الأسواق وما يدخل إليها من سكان البوادي الذين كانوا لا يتورعون من الإغارة واقتناء الماشية المتأتية طريق النهب لا سيما أولئك الأعراب الذين وفدوا مع بني هلال وبني سليم كما انصرفت عناية علماء الإباضية في كل العصور إلى محاربة الجهل بدين الله وإنارة بصائر الناس بجميع الوسائل بدون انتظار أجر أو شكر. فالعزابة بنوا مدارس للتعليم في كامل الجزيرة حتى بلغت نيفا وعشرين مدرسة (57) تدرس العلوم الشرعية واللغوية وتقوم بتحفيظ القرآن في أكثر مساجد جربة التي بلغت في القديم ثلاثة مائة وستين مسجدا وتعهدوها بالإصلاح وجلبوا إليها الطلبة من جميع الجهات من داخل الجزيرة وخارجها والإنفاق على الفقراء وتحبيس أعز أراضيهم على المساجد حتى بلغت عدد زياتين الأوقاف المحبسة على مساجد جربة أربعين ألف أصل زيتون وما يساويها من النخيل وأصبحت نسبة المتعلمين بجربة أعلى نسبة في بقية المدارس تضاهي المدن الكبرى كتونس العاصمة وهم يتولون التعليم مجانا فكان الواحد منهم يبذل وقته وجهده وماله ليوفر للطلبة جميع وسائل الراحة والإقبال على
التعليم.
عن