جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٣

وكان العلماء يحثون أصحاب رؤوس الأموال على أن ينفقوا على مشاريع التعليم حتى يسهل على المتعلم والمعلم نشر العلم وبث المعرفة

ولعل

هذه الظاهرة كانت ومازالت واضحة في أبناء الجزيرة فبنوا المدارس

في جربة وفي تونيس كمدرسة الهنتاتي بسوق اللغة ومدرسة دغري. لقد اعتاد أغنياء جربة الإنفاق على طلاب العلم الذين يأتون إليهم من جبال نفوسة وجبال بني اخدايش وغيرها من الجنوب التونسي وأصبحت عادة حميدة يتنافس عليها أغنياء الأمة إلى عصرنا الحاضر ويرون أنها أحب أنواع البر إلى أنفسهم وانتقل حب الإنفاق على طلاب العلم الى أغنياء جربة حتى خارج الجزيرة فكان التجار في تونس ينفقون على طلاب العلم بجامع الزيتونة وقد عرفت منهم عددا كبيرا عند دراستي بتونس.

ولم يقتصر علماء الإباضية على نشر العلم والقضاء على الجهل وتوابعه بل وقفوا أمام أهل البدع يحاربونهم ويردون عليهم بأقلامهم ويدعون الأمراء إلى الاستقامة ويأمرونهم بنشر العدل في الرعية. وكان علماء جربة يردون على الأفكار الهدامة التي تجهل الحقيقة والتي أعماها روح التعصب أو الجهل بحقيقة أصول الإباضية لأنهم لم يحتكوا بهم ولم يطلعوا على كتبهم عثرت أثناء بحثي على مجموعة من الرسائل التي تولى علماء الإباضية الرد عليها بأقلامهم يقيمون الحجة على كل متطفل على العلم (58).

أما إذا كان الانحراف من قبل الأفراد في السلوك والعادات التي دخلت عليهم من المجتمع المريض الذي ضعفت فيه روح الدين وطغت عليه الشهوات والماديات يكتفون بمحاربتها بدروس متوالية في المساجد والمجامع العلمية والمناسبات والمآتم والمواسم الدينية وقد مرت بالجزيرة فترة تاريخية مظلمة كما في عهد الفاطميين والصنهاجيين وحدثت حروب داخلية بين القبائل في جربة وفي ما يسمونه عام الأخماس سنة 555 هـ كادت هذه الفتن أن تهلك سكان جربة ولولا فضل العلماء الذين أخذوا رهائن بين الجهات ليستتب الأمن بين القبائل؛ وسببها تنازع الأمراء على السلطة فقسموا الجزيرة إلى قسمين وجلبوا عرب ورغمة من خارج الجزيرة لمناصرتهم فخربوا ودمروا البلاد وقتلوا عددا كبيرا من الأبرياء وأثقلوا الناس

بالضرائب.

يسر

وقد مرت بالجزيرة فترة هادئة في عهود استقلالها أيام الدولة الرستمية وبعدها ما لها أن تعيش سعيدة تنعم بالاستقرار والاطمئنان والحرية وفي هذه الفترة من تاريخ الجزيرة اهتم العلماء بتثقيف الشباب فشيدوا المدارس والمساجد. نتج عن هذا الاستقرار حركة ثقافية هامة فألف في بداية القرن الخامس ديوان الأشياخ في (غار مجماج) بجربة (59) الذي يحتوي على فقه العبادات والمعاملات وهو مرجع عام في الفقه الإباضي اعتمدته جميع الكتب التي جاءت بعده.

158