جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٦

وشاية الحساد لدى المعز الفاطمي وتخوف المعز من أبي القاسم لكثرة اتباعه وانصاره بالبادية من قبائل إفريقيا من المذهب الإباضي أوغرت قلبه وحدثته نفسه الخبيثة بالغدر لأن أبا القاسم يزيد بن مخلد له تأثير وإشعاع على جميع الجهات قال المعز في نفسه لو دعاهم أبو القاسم يزيد بن مخلد لأمر لم يتخلف منهم أحد فكتب إلى واليه في حامة الجريد يأمره إن يقتل أبا القاسم ويبعث إليه برأسه ونفّذ الوالي أمر المعز ومات أبو القاسم شهيدا ولهذه الأسباب ثار أبو خزر يغلا في وجه الفاطميين. لقد عظمت المصيبة عند جميع أهل الدعوة ولم يجدوا فيه سلوى وقد يئست نفوسهم فطالبوا بثأره. كان فصيل أبو مسور تلميذا عند شيخه ابي خزر لقد حضر معه النكبة التي حلت بهذا العالم الصالح وعظم ووقعها على النفوس. تجمس أبناء الجهة للدفاع عن حروماتهم وأنفسهم وتحمس المشائخ للقيام بأمر الله عز وجل والتصدي لأئمة الضلال فارسلوا إلى جهات عديدة يستنهضون الأبطال ويجمعون المال والسلاح والرجال قبل بداية الثورة.

عاد فصيل إلى جربة يستشير والده ويتبادل معه الرأي لمناصرة شيخه أبي خزر. بعد إن استأذن من أبيه الخروج مع الثائرين طلب فصيل من أبيه المحاللة قال أبو مسور لابنه: " أنت مني في حل من جميع حقوقي عليك فأعد راحلته وزاده وتوجه إلى حامة الجريد لينضم إلى صفوف المجاهدين تحت قيادة شيخه أبي خزر فلما سار في طريقه ثلاثة أيام بلغه خبر الهزيمة

فعاد إلى جربة. ولعل فشل هذه الثورة جعل أبا زكرياء فصيل يغير اتجاهه في الحياة اذ أصبح مسالما يدعو إلى مدارات الحكام وتفرغ إلى التعليم وكان همه إن تعيش الجزيرة في أمن وهدوء وسلام.

كان فصيل رفيقا في معاملة الحكام والولاة في إفريقيا يظهر لهم الاحترام ولا يتدخل في شؤونهم وإذا دخل أحدهم الجزيرة سعى في إكرامه واحترامه والتلطف معه حتى يأمن شره ولا يستفزهم إلى العدوان وكان موقفه على عكس زميله الشيخ ابي عمرو النميلي أحد أعضاء ديوان المشائخ كان النميلي من أشد الناس نقمة على الظلم والظالمين ينتقد إنجازاتهم ويوضح بعد الدولة الحاكمة عن المنهج الإسلامي. قال أبو العباس الدرجيني حين ترجم لأبي زكرياء فصيل: لقد أكرم إبراهيم بن وانموي المزاتي لما احتل جربة لأنه كان قائدا للفاطميين رغم جوره وفسقه. كتب هذا الوالي إلى ابي زكرياء يأمره أن ينجاز بأهله وعشيرته إلى الجامع الكبير حتى لا يدركهم من جنده اي ضرر أو تصيبهم مضرة، فاستجاب فصيل إلى أمره.

لما دخل إبراهيم المزاتي جربة استباح لجيشه النهب ونجا من شره بنو يهراسن ولعل الذي جعل الشيخ يقف هذا الموقف المسالم من القائد الظالم أنه لا يستطيع إن يفعل شيئا فرضي إن ينجو بأهله ونفسه (133). كان فصيل يتبرع بشيء من الطعام على الفقراء تكفيرا عن إطعامه الجبابرة وقاية للعرض وإبقاء للحرمة وكانت جربة في عهد ابي زكرياء شبه مستقلة عن الدولة العبيدية في آخر أيامها وفي أول أيام الدولة الصنهاجية غير أن الدولة الصنهاجية كثرت في عهدها الفتن في كل الجهات وكانت في حاجة دائمة إلى المال لإخماد الثورات كان السلطان الصنهاجي يأمر ولاته بجمع جباية الضرائب بالقوة. وهذا ما فعله ابن وانموي حيث طلب من فصيل إن يدفع الضريبة فدفع له دينارين من ماله الخاص في حقه وحق بني يهراسن.

(133) - المصدر الشماخي ص 371 انظر الوسياني ص 77 نظام العزابة ص 298