جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٢

علماء

من هذين الشيخين مزايا وسجايا يا لها من سجايا جود كالحساب ودعاء کالشهاب وحسن سلوك الطريقة وحفظ العلوم الحقيقية والتمسك من عرى التقوى بالأسباب "الوثيقة" وهما فرع تلك الشجرة المسورية الطيبة التي ذاع فضلها على الناس عبر التاريخ وقد تخرج من بيت أبي مسور كثير من الإباضية. (138) وتروي كتب التاريخ أنهما توجها لأداء فريضة الحج وكان الطريق غير آمن من كثرة اللصوص فلما شعرا بالتعب استراحا قليلا ثم واصلت القافلة السير وبقي زكرياء نائما ولم يتفطن إليه احد ولم يستيقظ فتخلف عن القافلة فلما الضياع ولحقه وجد نفسه في صحراء منقطعا عن الركب فدعا الله قال "اللهم يا صاحب كل غريب و يا مؤنس كل وحيد ويا قريبا غير بعيد أجعل من سفري هذا فرجا ومخرجا ثم رفع رأسه إلى السماء فنظر نورا ساطعا في الجو فسار نحوه حتى أدرك الركب فوجد أصحابه في حيرة عليه. وفي طريق الحج مر يونس برجل قد أدركه التعب فتخلف عن أصحابه وقد تورمت قدماه وأشرف على الهلاك ومعه كيس فيه دنانير، نظر الرجل إلى الشيخ يونس فتوسم فيه الخير وسلم له الدنانير أمانة عنده خوفا عليها من السرقة أو الضياع ولحق يونس بأصحابه ثم بعد مدة قدم صاحب الأمانة يبحث عن الشيخ يونس. نظر إليه يونس فعرفه إلا أن الرجل لم يعرفه، لقد اصفر وجهه وتغير لونه فقال له يونس "ما بك وما قصتك" قال له سلمت مالي إلى شخص لا اعرفه اعترضني في طريقي للحج، قال "يونس" هل أعطيته مالك طوعا أم أخذه منك غصبا" قال الرجل: بل أعطيته طوعا" قال له: "أتعرفه" قال الرجل: "أنه رجل جسيم طويل مثلك" قال له: "أتعرف الصرة إذا رأيتها" قال: "نعم" فاخرج إليه الأمانة فدفعها إليه وجعل الرجل يرفع صوته بالدعاء ويقول: "والله ما هو إلا مسلم أمين" وقد تعرض زكرياء وأخوه في طريقهما إلى قطاع الطريق فدافع زكرياء عن نفسه وماله حتى صرع اللصوص ولم يجرأ أحد الاقتراب منه.

كان الشيخ يونس يتهجد في المسجد ويقيم الليل ويكثر من صلاة النافلة حتى مطلع الفجر فيصلي بالجماعة ويجلس إلى حلقة الدرس يلقي دروسه علي تلاميذه ودموعه تنساب على خديه فلما أنهى الدرس تقدم أحد التلاميذ يسأله ويستفسر عن صحته فإخبره بقصته أنه لما مر بالمقبرة سمع صوتا يناديه إلى متى ننتظرك قال لهم أظن أجلي قد اقترب فاخذ ينفذ وصيته ويودع إخوانه ولم يعش زكرياء بعد ذلك إلا أياما قليلة رحمة الله عليه.

أبو يحي زكرياء بن صالح اليهراسني

مازالت هذه الشجرة الطيبة تنجب العلماء ورجال الإصلاح عبر التاريخ. ولد زكرياء اليهراسني في قرية الحشان جربة وتعلم على خيار علماء عصره. يصفه صاحب الطبقات (139) يقول: "أبو يحي زكرياء بن صالح اليهراسني، علم المذهب ومناره .... أتاه الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وأوسع الله عليه الرزق ومنحه الله البركة فتفرغ للعلم الصالح بالمال والعطاء فاثنت عليه الألسنة وهو الذي فضله الله بأشياء كثيرة منها الحياء والورع والسخاء وتساوى عنده صلاح العلانية والسريرة واليد العليا في الكبيرة من الصلات والصغيرة.

138 - طبقات المشائخ بالمغرب للدرجيني الجزء الأول ص 189 والجزء الثاني ص 393

139) - طبقات الدرجيني ج 2 ص 502