جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٣عاش الشيخ زكرياء بن صالح اليهراسني في عهد الدولة الموحدية (140) عام 556 م في عهد عبدالمؤمن بن علي وفي زمان يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي كان أبو يعقوب المنصور واليا على المغرب الأقصى في عهد والده بمدينة مراكش وكان هذا الملك حازما سديد الرأي حسن السيرة لما توفي والده قدمه شيوخ الموحدية على بقية إخوته واستقرت قواعد ملكه وجمع جيشا عظيما عبر به البحر فغزا بلاد الأندلس وحاصر مدينة غرناطة ومدينة شنترين انتصر المسلمون في هذه المعركة وقتلوا من الإفرنج عددا كبيرا وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى وبلاد افريقيا وكثير من بلاد الأندلس وتسمى أمير المؤمنين وقصدته الشعراء وامتدحته بأحسن
المدائح.
سافر زكرياء بن صالح اليهراسني إلى مراكش لقصد التجارة فاشتهر أمره وعظمت منزلته عند أبي يعقوب الموحد لأمانته وصلاحه ومحافظته على دينه ولما ظهر على يده من بركات وكرمات فكان أبو يعقوب يلبي له كل مطلب وعندما كان اليهراسني بالمغرب قال لأبي يعقوب عندما كان واليا على مراكش إن الخلافة ستكون إليك بعد وفاة والدك دون بقية اخوتك فلما بويع أبو يعقوب بالخلافة ذهب إليه أبو زكرياء بن صالح اليهراسني يقدم إليه التهاني ثم ذكره بالحديث الذي جرى بالمغرب وان فراسته كانت صادقة فأكرم أبو يعقوب اليهراسني وقضى حاجته وأعلى منزلته وشفعه في كل من شفع فيه وانتفع بعنايته أكثر إباضية شمال إفريقيا وجربة بصفة خاصة. ولما عاد أبو يحي اليهراسني من المغرب نزل بمدينة سجلماسة ثم مر بمدينة وارجلان ثم خرج من وارجلان متوجها إلى جربة في جماعة من أصحابه وعددهم خمسة وعشرون راكبا ومعهم مائتان وخمسون مثقالا ذهبا ولما صاروا ببعض الطريق بين وارجلان ونفزاوة يقطعون كثبان رمال الصحراء عائدين أشرفوا على سهل كثير المرعى ومن ورائه أحياء فيئسوا من السلامة لأن أمن الطريق مفقود في تلك الجهات فأخفوا نفوسهم قبل أن يراهم أحد ثم تشاوروا فيما بينهم فقال أحدهم ندفع ما عندنا وقال قائل نعود أدراجنا وقال وقائل نرسل إليهم من يجاعل على سلامتنا بجزء من المال وأخيرا توجهوا إلى شيخ البركة وسألوه الرأي فقال: "إنما مثلنا مثل أعمى سلم عينيه إلى القادح ليقدحها رجاء انجلاء العمي فإن أبصر نورا بفضل من الله ولطفه به وإن لم يبصر فإنما كان أعمى وبقي أعمى وكذلك نحن وعندي رأي هو بمنزلة القدح فان فعلنا ونجونا فبلطف من الله وان هلكنا فنحن هالكون من قبل "قالوا: وما رأيك يا شيخنا قال أبو يحي أرى أن نستدير مع بعض الأحقاف إلى أقرب قطيع فنخرج إليه على حين غفلة من أرباب الإبل ورعاتها ثم ندخل وسط القطيع. وإذا بخيل تركض نحوهم فاعترضهم صاحب الإبل وتشفع فيهم وقال لهم لكم الأمان فانزلهم في بيته وأكرمهم ثم صاحبهم إلى أن بلغوا مأمنهم من قرى نفزاوة بعد هذه الرحلة الطويلة الشاقة استقر بالجزيرة وانتهت أخبار هذا العالم الصالح الذي سخر أمواله وراحته في خدمة المجتمع ووسع الله عليه الرزق ومنحه البركة والعلم والصلاح.
(140) - الحلل السندسية في الأخبار التونسية جزء واحد من القسم الرابع ص 992 تحقيق محمد الحبيب
هيلة